في عدن، حيث تتبدل الظروف وتتزاحم الأخبار، يحتفظ صباح الجمعة بموعده مع الطيور. منذ سنوات، يقام سوقها كل أسبوع، لا يوقفه رمضان، ولا تلغي موعده الحروب أو الصراعات السياسية، وكأن للمدينة ساعة أخرى تضبطها على تفاصيل الحياة التي تحبها.
من كريتر والمعلا، وصولًا إلى صلاح الدين غرب عدن، يأتي الباعة والمشترون وهواة تربية الطيور، تجمعهم وجهة واحدة رغم اختلاف مناطقهم. يقطع بعضهم المسافة بحثًا عن طائر يقتنيه، ويأتي آخرون لعرض ما لديهم، فيما يجد محبو هذه الهواية في السوق سببًا جميلًا للخروج صباح الإجازة.
لا يحتاج هذا الموعد إلى إعلان متجدد؛ يعرفه الباعة كما يعرفه المشترون وهواة تربية الطيور. يحل صباح الجمعة، فيعود السوق إلى حكاية تتكرر دون أن تفقد ألفتها: بائع ينتظر رزقه، ومشترٍ يبحث عما يعجبه، وزائر تكفيه المشاهدة ليخرج بشيء من البهجة.
وتتناول صحيفة عدن الغد حكاية هذا السوق بوصفه واحدًا من المواعيد الشعبية التي حافظت على حضورها في المدينة، وشاهدًا على تمسك الناس بعاداتهم الصغيرة، حتى حين تكون الظروف المحيطة بهم أكبر من قدرتهم على تغييرها.
رزق يتجدد كل أسبوع
وراء استمرار السوق جانب معيشي لا يقل أهمية عن جمال الطيور ومتعة مشاهدتها. فالبيع بالنسبة إلى الباعة عمل ومصدر دخل، وصباح الجمعة فرصة ينتظرونها لعرض ما لديهم ومقابلة المشترين.
وقد تبدو عملية البيع بسيطة لمن يمر سريعًا، لكنها ترتبط بمعرفة وخبرة؛ فاختيار الطائر والعناية به وإطعامه ومتابعة صحته تفاصيل تؤثر في تجربة صاحبه الجديد. وكلما امتلك البائع معرفة بما يبيع، استطاع أن يساعد المشتري على اتخاذ قرار مناسب، وأن يجنبه أخطاء قد يقع فيها في بداية الهواية.
وفي سوق يتكرر أسبوعيًا، تكتسب الثقة قيمة خاصة. فالمشتري يستطيع العودة، والسؤال لا ينتهي بالضرورة عند دفع الثمن. ومن هنا تنشأ أهمية المعاملة الطيبة والمعلومة الصحيحة، إلى جانب السعر المناسب.
للمشاهدة نصيب من المتعة
ولا تقتصر جاذبية سوق الطيور على من يأتي بقصد الشراء. فمثل هذه الأسواق تمنح الزائر فرصة للتعرف على عالم قد لا يراه عن قرب في يومه المعتاد، وللتأمل والسؤال واكتشاف الفروق بين الطيور وطرق رعايتها.
ويستطيع المرء أن يغادر دون شراء شيء، ومع ذلك يكون قد أمضى وقتًا ممتعًا. فبعض الأماكن لا تُقاس قيمة زيارتها بما نحمله منها، بل بما تتركه في النفس من راحة، وما تمنحه من فرصة للخروج من رتابة الأسبوع.
أما من يفكر في اقتناء طائر للمرة الأولى، فإن زيارة السوق تفتح أمامه أسئلة تستحق الاهتمام قبل الشراء: هل لديه الوقت الكافي للعناية به؟ وهل يستطيع توفير احتياجاته؟ وما البيئة المناسبة له؟ فمتعة الاقتناء تصبح أجمل حين تقترن بحسن الرعاية.
هواية تُعلّم الاهتمام
وتحمل تربية الطيور جانبًا تربويًا حين يشارك فيها الأطفال بإشراف أسرهم. فالاهتمام بكائن حي يساعد على فهم معنى المسؤولية، ويجعل الرحمة سلوكًا يوميًا يظهر في تقديم الماء والغذاء والمحافظة على النظافة والرفق في التعامل.
ومن المهم ألا تنتهي فرحة الشراء بانتهاء الزيارة، وألا يتحول الطائر إلى شيء يُنسى بعد أيام. فالهواية تحتاج إلى التزام، والبهجة التي يدخلها الطائر إلى البيت تقابلها مسؤولية تجاه سلامته وراحته.
وهذه التفاصيل تمنح الحديث عن سوق الطيور مساحة أوسع من البيع والشراء؛ إنه حديث أيضًا عن علاقة الناس بالكائنات التي يربونها، وعن المعرفة التي تنتقل بين أصحاب الخبرة والمبتدئين.
موعد يصمد أمام تبدل الأحوال
ولعل أكثر ما يلفت في سوق الطيور بعدن هو استمراره. فالموعد قائم صباح كل جمعة منذ سنوات، رغم اختلاف المواسم والظروف، بما فيها رمضان وفترات الحرب والصراعات السياسية.
ولا يعني هذا الاستمرار أن السوق ورواده لا يتأثرون بما حولهم، بل إن بقاء موعده يعكس حرصًا على مواصلة جانب مألوف من الحياة. فالناس يحتاجون إلى أسباب الرزق، كما يحتاجون إلى مساحة لهواياتهم، وإلى عادات يعرفون بها أيامهم ويستعيدون من خلالها بعض التوازن.
وفي المدن التي مرت بظروف صعبة، تصبح التفاصيل العادية ذات قيمة كبيرة: سوق يُقام، وعمل يستمر، وهواية تجد أصحابها. إنها أشياء قد تبدو صغيرة، لكنها تمنح الحياة اليومية شكلها ومعناها.
جزء من ذاكرة الجمعة
ومع تكرار الموعد، يصبح السوق أكثر من مكان مؤقت للبيع. يدخل في ذاكرة الناس، ويرتبط بيوم محدد، ويغدو واحدًا من التفاصيل التي يمكن أن تُحكى عند الحديث عن صباحات المدينة.
وهنا تكمن خصوصيته؛ فهو لا يحتاج إلى مناسبة استثنائية كي يحضر، ولا ينتظر أن تخلو الحياة من مشكلاتها. يكفي أن يأتي الجمعة، ليجد الباعة والمشترون والهواة موعدهم قائمًا.
وفي عدن التي تستحق أن تُروى حكاياتها الجميلة أيضًا، يواصل سوق الطيور تقديم حكايته البسيطة: للناس حق في الرزق، وفي الهواية، وفي صباح لا تستأثر به الأخبار الثقيلة. ومهما ارتفع ضجيج المدينة، يبقى في جمعتها متسع لصوت عصفور.

