آخر تحديث :الأحد-25 أكتوبر 2026-11:43ص

فلسفة الموت،،،

الجمعة - 09 أكتوبر 2026 - الساعة 01:02 م
د. سعيد سالم الحرباجي


قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾.


هذه الآية ليست حديثًا عن الموت فحسب، بل هي هدمٌ لوهمٍ يتشبث به الإنسان حين يواجه لحظات الحقيقة:

وهم الفرار من المصير، والنجاة بالتراجع عن الواجب....

وكأن الموت يسكن ميادين المواجهة وحدها، ويمنح الآمنين وراء جدران الصمت أعمارًا إضافية!!!!


وما علم هؤلاء أن الموت لا يعرف طريقًا واحدًا، ولا ينتظر الإنسان عند جبهة بعينها...

فقد يأتيه في حصنه، أو بين أهله، أو على فراشه، كما يأتي من وقف ثابتًا في ميدان الشرف.

فالأجل بيد الله، لا تقدّمه شجاعة، ولا يؤخّره خوف.


وفي اليمن :

حيث يواجه الشعب تبعات الحرب التي أشعلها الحوثيون، تتجاوز هذه الحقيقة حدود التأمل في الموت إلى جوهر المسؤولية الوطنية...

فحين تُهدَّد الجمهورية، وتُصادَر الحريات، ويُراد إخضاع المجتمع لمنطق السلالة والقوة، يصبح الخوف من الموت إذا تحوّل إلى ذريعة للتخلي عن الواجب ...

يصبح بابًا من أبواب الاستسلام للواقع المفروض.


إن القضية ليست: أين نموت؟

بل كيف نعيش، وعلى أي مبدأ نقف، وماذا نترك وراءنا؟

فالجهاد المشروع ليس طلبًا للموت، ولا إلقاءً بالنفس إلى التهلك....

وإنما هو ثبات على الحق، ودفاع عن الوطن، ومقاومة للظلم والعدوان، وفق أحكام الشرع وضوابطه، مع صيانة أرواح الأبرياء وكرامة الإنسان.


إن أخطر ما يصيب الشعوب ليس أن تخاف الموت....

فذلك من طبيعة البشر، بل أن يستولي عليها الخوف حتى تفقد إرادة الحياة الحرة، وتعتاد الذل، وتتوهم أن السلامة في الصمت، وأن النجاة في التخلي عن المسؤولية.


فالأمم لا تستعيد كرامتها بالأماني، ولا تسترد دولها ومؤسساتها بالانتظار، وإنما بالوعي والإرادة والعمل المنظم والتضحيات المسؤولة.


وليس المطلوب أن نبحث عن الموت، بل ألا نسمح للخوف منه بأن يصادر واجبنا، أو يعطل قدرتنا على حماية وطننا واستعادة دولتنا.


فالحياة الكريمة ليست مجرد البقاء، كما أن الشجاعة ليست تهورً....

وإنما هي أن يعرف الإنسان الحق فيلتزمه، والواجب فيؤديه، والخطر فيواجهه ببصيرة وثبات.

فالموت الذي تفرّ منه سيأتيك، فلا تجعل الخوف منه يسلبك معنى الحياة قبل أن تبلغ نهايتها.


وإذا كان الأجل محتومًا، فإن قيمة الإنسان تُقاس بما حمل من حق، وما أدّى من واجب، وما بذل من جهد في سبيل كرامة وطنه وحرية شعبه.


فالموت نهاية الأجل، أما الثبات فامتحان الطريق؛ والأوطان لا يحميها الخائفون من مسؤولياتهم ....

بل يبنيها الأحرار الذين يعرفون أن للكرامة ثمنًا، وأن استعادة اليمن تبدأ بإرادة لا تستسلم للظلم، ولا تتخلى عن حقها في دولة عادلة وجمهورية حرة.


جرعة وعي ،،،