آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-12:22م

باب المندب.. ورقة القوة التي نسيها الجنوبيون

الإثنين - 21 سبتمبر 2026 - الساعة 10:34 ص
عيدروس المدوري


بقلم عيدروس المدوري

تتغير قواعد اللعبة السياسية في العالم وتبادَل القوى العظمى الأدوار وتُبنى تحالفات وتنهار أخرى لكن ثابتاً جغرافياً واحداً يظل يفرض نفسه على خارطة القرار الدولي مضيق باب المندب هذا الشريان الحيوي الذي تمر عبره دماء التجارة العالمية والذي يُعد من أهم نقاط الاختناق المائي على وجه الأرض ظل دائماً حاضراً في أجندات العواصم الكبرى لكنه في المقابل ظل الغائب الأكبر عن رؤية القيادات السياسية المتعاقبة في الجنوب من عهد الجبهة القومية وإلى يومنا هذا .

تاريخياً قسّمت القوى السياسية المشهد إلى أيديولوجيات وشعارات فضفاضة دون أن تدرك أن القوة الحقيقية لأي دولة لا تُقاس فقط بمدى حشد الجماهير أو رفع الشعارات بل بمدى قدرتها على استثمار ميزاتها الجيوسياسية الاستراتيجية .

لقد مَرّت عقود والجنوب يمتلك مفتاحاً من مفاتيح الاقتصاد العالمي ومع ذلك تعاطت السلطات المتعاقبة مع باب المندب إما بوصفه منطقة نفوذ وتوتر عسكري تُقدم هدايا أو التزامات مجانية لطرف دولي ضد آخر أو كمجرد شريط ساحلي يمر منه الآخرون دون أن يُترك للبلد أي أثر تنموي أو سياسي يُذكر .

إن المعضلة الكبرى لم تكن في عدم إدراك العالم لأهمية باب المندب فالعالم يعلم جيداً أن إغلاق هذا المضيق أو اضطرابه يعني شللاً في أسواق الطاقة والتجارة من الشرق إلى الغرب المعضلة الحقيقية كانت في العمى الاستراتيجي للقيادات السياسية التي لم تستطع فرض هذه الورقة كعنصر تفاوضي صلب يحمي المصلحة الوطنية للجنوب وبدلاً من أن يكون المضيق ورقة ضغط سياسية واقتصادية تُجبر العالم على احترام تطلعات هذا الشعب تحول إلى ساحة يستثمرها الآخرون لحماية مصالحهم بينما يكتفي المشهد المحلي بلعب دور الحارس السلبي لخدمة أجندات إقليمية ودولية .

اليوم ونحن نعيش مرحلة مفصلية يعاد فيها تشكيل المنطقة لم يعد مقبولاً الاستمرار بنفس الرؤية التقليدية القاصرة إن إدارة الممرات المائية ليست مسألة أمنية أو حراسة عسكرية مقطوعة الصلة بالسياسة والاقتصاد بل هي منظومة كاملة من بناء الموانئ وتطوير المناطق الحرة وإيقاف الابتزاز الخارجي وفرض شروط التنمية مقابل حماية الملاحة الدولية .

لقد حان الوقت للقيادة الحالية وكل القوى السياسية أن تخرج من جلباب التبعية والانفعال السطحي مع الأحداث وأن تعيد قراءة الجغرافيا بوعي دولة لا بوعي فصيل باب المندب ليس مجرد مضيق مائي نتباكى على مقوماته بل هو كارت القوة الوحيد الذي إن أُحسن استخدامه برؤية استراتيجية شجاعة ومستقلة سيفرض واقعاً جديداً يجعل العالم رغماً عنه يقف احتراماً للجنوب وقضيته ومصالحه العليا .