آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-12:22م

من نيويورك إلى باب المندب

الإثنين - 21 سبتمبر 2026 - الساعة 09:25 ص
غسان شربل


خسرت دوراتُ الجمعيةِ العامة للأمم المتحدة كثيراً من وهجِها ومن الرَّهان عليها. يذهبُ الزعماء إليها لتجديد رهانِهم على يقظة ولو متأخرة للشرعية الدولية. يذهبونَ قبل ذلك لمخاطبةِ شعوبهم من هذه الشُّرفة الدولية، ويراهنونَ في الواقع على حفلة علاقات عامة تجري خارجَ قاعةِ الخطب والتمنيات.

في العقود الماضية كانَ زعماءُ الدول الصغيرة يلصقون دموعَ بلدانهم على جدار الأمم المتحدة. وعاشتِ الجمعيةُ العامة طويلاً وسط صخب المواجهة التي حكمت عالم المعسكرين. وفي ذاكرة المبنى المقيم في نيويورك ساعاتٌ صاخبة سرقت أنظارَ العالم. مشهدٌ من قماشة إقدام رئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروشوف على الاحتجاج بضرباتٍ من حذائه، ومشهدُ فيديل كاسترو بجاذبية سيرته ولحيته وثيابه الزيتونية يلقي خطبةً حماسية لا تنتهي مندداً بالإمبريالية الأميركية، ومؤكداً رسوخه شوكة في خاصرتها، ومشهد معمر القذافي يحاول تمزيقَ ميثاق الأمم المتحدة وطرحه أرضاً، ما غمر وفد «الجماهيرية» بالذهول والحرج والخجل.

الزمنُ سيافٌ يقطع عنقَ الأحلام والأوهام. ضريح كاسترو يعاني من الانقطاع المتكرّر للكهرباء بسبب شحّ الوقود. بلاده تتلوَّى على نار الأزمات بانتظار نضوجِ موعد سقوطها بين يدي أميركا الجارة والعدو. لم يعد كاسترو مصدر إلهام، لا في بلاده ولا في الخارج. أغلب الظَّن أنَّه شعر بآلام فظيعة حين أبلغ أنَّ «الجنرال» دونالد ترمب اقتاد الرفيقَ نيكولاس مادورو إلى السجن الأميركي، وأبرم صفقةً مع مساعديه.

تغير العالم. صار اسمُ المندوب السوفياتي المندوبَ الروسي. لم يعد باستطاعة سيد الكرملين الجلوس مع سيد البيت الأبيض من موقع الند للبحث في إدارة شؤون العالم. وريث «الجيش الأحمر» يقاتل على الأرض الأوكرانية منذ خمس سنوات ويستعينُ بجنود حفيد كيم إيل سونغ لخفض عددِ الجثث العائدة إلى الصقيع الروسي. هذه الحربُ الطويلة لا تليق بروسيا العظيمة ولا بقيصرها فلاديمير بوتين. تصريحات ظلّه ميدفيديف مؤسفة؛ يتكلَّم كأنَّه يقلب قنبلة نووية بين يديه ويلوح بها لأوروبا الهرمة.

في هذا الأسبوع لن يلتفت أهلُ الشرق الأوسط كثيراً إلى خطب الجمعية العامة. يخالجهم شعور بأنَّ منظمة غوتيريش تحوَّلت مجردَ هيئةِ إغاثة ترسل الطحينَ والخيامَ والبطانيات إلى ضحايا الحرائق التي باتت أسيرةَ مبعوثي الكبار والمكائد الإقليمية. سيلتفت العالمُ بالتأكيد إلى القمة الكبرى حين يستقبل ترمب «صديقه» شي جينبينغ مديرَ «مصنع العالم» ومختبر الذكاء الاصطناعي.

لن تتَّجه أنظارُ أهل الشرق الأوسط المريض إلى نيويورك. لو كان لدى الأمم المتحدة أسلحةٌ غير التمنيات لاستخدمتها. أنظار أهل الشرق الأوسط ستتَّجه بالتأكيد إلى باب المندب. ما جرى هناك يتخطَّى بالتأكيد الصراع اليمني - اليمني. إنَّه موضوع إقليمي ودولي. يستحيل الاعتقاد بأنَّ الحوثيين نفَّذوا هجومَهم بقرار حوثي. تاريخ تجربتهم يفيد بأنَّ سلاحَهم إيراني وقرارهم إيراني. يصعب الاعتقاد بأنَّ العالم سيوافق على محاولة إيران الفوز بلقب شرطي المضيقين.

لفهم ما جرى في باب المندب لا بدَّ من التوقف عند ما قاله قائد القيادة المركزية «سنتكوم» براد كوبر بأنَّ القوات الأميركية سهَّلت مرورَ أكثر من مليار برميل من النفط الخام عبر مضيق هرمز خلال الشهرين الماضيين، وساعدت في عبور أكثرَ من ألفي سفينة تجارية. لكن الأخطر مما سبق كان قوله إنَّ إيران لم تتمكن من تصدير أي برميل نفط في ظلّ إجراءات الحصار البحري الأميركي.

أغلب الظن أنَّ قسوة الحصار الأميركي دفعت إيرانَ إلى تحريك أوراقها لإثارة أزمةِ طاقة كبرى على المستوى العالمي، وبغرض الضغط على فرص الحزب الجمهوري الأميركي في الانتخابات النصفية. وهكذا تبدو السيطرةُ على باب المندب بمثابة عقاب إيراني لترمب الذي فرض الحصار البحري والذي تتأكد فاعليتُه من التدهور المستمر في قيمة العملة الإيرانية. ثمة من يعتقد أنَّ إيرانَ التي باتت تخشى من أن ينزلَ الإيرانيون إلى الشوارع احتجاجاً على التدهور الاقتصادي والمعيشي المتصاعد تميل إلى التسبب قي انفجار كبير في المنطقة علّه يدفع العالم إلى المطالبة بوقف نهائي للنار فيها، ما يسهل خروجها من المأزق الحالي الذي تتخبط فيه. ويدرج هؤلاء الاعتداءات الحوثية على السعودية في هذا السياق.

يميل المراقبون إلى التحدث عن شهور صعبة مقبلة إذا استمر القرارُ الإيراني أسيرَ سياسات شبه انتحارية ينتهجها جنرالات «الحرس الثوري» بمباركة من المرشد. والسؤال هو: مَن يُخرج المنطقةَ من وضعها الحالي؟ وإذا استثنينا احتمالَ عودة أميركا إلى الضغط العسكري المباشر، فإنَّ كثيرين يعتقدون أنَّ الصينَ هي الطرفُ الوحيدُ المؤهلُ للعب دور في هذا السياق إذا وضعت قمةُ ترمب وشي خريطةَ طريق جديَّة للتعايش والتنافس والتعاون بين العملاقين. مصير المضيقين يعني الصين التي تعتمد على المنطقة في إمداداتها من الطاقة. وعلاقاتها القوية مع إيران تمكّنُها من ممارسة ضغوط لعقلنة القرار الإيراني. لكن، هل تريد الصينُ مغادرةَ أسلوبها الحذر للانخراط في إيجاد حلّ لمنطقة تعني استقرارَ اقتصادها واقتصاد العالم بأسره؟

باب المندب يعني المنطقة والعالم أكثرَ بكثير مما تعنيه مشاهد الجمعية العامة. من أوكرانيا إلى السودان ووصولاً إلى باب المندب، تبدو المفاتيحُ مقيمةً في أدراج رئيس الولايات المتحدة وليس في أدراج الأمين العام للأمم المتحدة.