في الساعات الأولى لسقوط الساحل الغربي وباب المندب بيد المليشيات الموالية لإيران، لم يصدر من البيت الأبيض بيان إدانة، بل صدرت رسالة طمأنة.
سارع الرئيس ترامب إلى التصريح بأنه على تواصل مع الحوثيين، وتبعه نائبه جي دي فانس بنفس الصيغة: الحوثيون ملتزمون باتفاقهم بعدم الاعتداء على السفن الأميركية في خط الملاحة باب المندب.
قراءتنا السياسية لهذا التزامن ليست بروتوكولية، بل سيكولوجية.
عندما يسقط ممر دولي يمثل ٢٠% من التجارة العالمية، ثم تخرج القوة العظمى لتقول "سفننا آمنة"، فالرسالة ليست للحوثي، بل هي رسالة طمأنة سياسية عابرة للإقليم.
مضمونها أميركا قبلت بسياسة الأمر الواقع.
وهذا النمط من التصريح يعكس مستوى عال من الانسجام الضمني بين طرفي الحدث، الأميركي والحوثي، حتى لو لم يكن اتفاقا مكتوبا. فالطرفان اتفقا على تحييد بعضهما، وترك الميدان يسقط.
هنا ظهر التناقض الأول للموقف الأميركي.
هذا الموقف يتناقض كليا مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، التي ترى في سقوط باب المندب سقوطا لسيادتها.
ويتناقض ثانيا مع حلفاء الخليج، وبصدارة المملكة العربية السعودية الداعمة للشرعية.
فالرياض لا يمكن أن تقرأ سقوط ميون والمخا وقبوله الأميركي كحياد، بل تقرأه كإساءة مباشرة لأمنها القومي.
وهذا هو التوقيت الذي عجل بالمملكة إلى الخيارات البديلة.
تفعيل اتفاق ثلاثية مكة، والتحرك السريع نحو مصر العربية، ليس تحركا بروتوكوليا، بل هو بحث عن ضامن إقليمي بديل بعد اهتزاز الضمانة الأمريكية.
في تقديرنا الشخصي، ساسة البيت الأبيض أدركوا متأخرين حجم الإخفاق وحجم الإساءة التي سببها تصريح الطمأنة لحلفاء أمريكا.
ولذلك استدعى الرئيس ترامب سفراء الخليج على هامش قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في محاولة لتلافي الموقف، بجملة لافتة: علينا الاعتذار لحلفائنا في الخليج.
الاعتذار هنا ليس أخلاقيا، بل هو تصحيح عملياتي لمسار.
وفي هذا السياق السيكولوجي ذاته نضع تصريح أليكس بليتساس محلل الأمن القومي في CNN.
نص إفادته الأصلية:
"كما قلت الليلة الماضية، قيل لي إن اجتماع الرئيس في كامب ديفيد كان مخصصا لمناقشة ومراجعة خيارات توجيه ضربات في اليمن. واليوم أصدرت السفارات الأمريكية في دول الشرق الأوسط التي يحتمل أن تكون أهدافا لضربات انتقامية تحذيرات بهذا الشأن. والآن يعود الرئيس مبكرا إلى البيت الأبيض."
هذا التصريح لا ينضوي تحت خانة تسريب عسكري ولكنه ينضوي سيكولوجيا في معضلة الاعتذار ذاتها.
فبعد رسالة الطمأنة للحوثي، جاءت الحاجة لرسالة ردع للحوثي تطمئن الرياض.
اجتماع كامب ديفيد لمراجعة خيارات الضرب، وتحذيرات السفارات الأمريكية، والعودة المبكرة للبيت الأبيض، كلها أدوات في هندسة الاعتذار الخليجي.
والى ذلك السياق نوجز ان أميركا قد حاولت أن تمسك العصا من الوسط، فطمأنة الحوثي على سفنها، وأغضبت حليفها على مضيقه.
وحين أدركت أن باب المندب لا يمكن اعتباره تفصيلا يمنيا، بل هو أمن قومي سعودي مصري، عادت لتصحح باجتماع حرب وحديث عن ضربات.
فهل تكفي الضربات للاعتذار؟
ولعل
تقديرنا الشخصي لا. الاعتذار الحقيقي هو منع تحول باب المندب إلى نسخة أخرى من هرمز بيد الحوثي.