تتقاطع اليوم جبهتان في الضالع لا يمكن الفصل بينهما: جبهة أمنية وعسكرية تتطلب اليقظة والجاهزية، وجبهة داخلية تتعلق بالخدمات والإدارة وحياة المواطن اليومية.
وبين هاتين الجبهتين، يُختبر حضور مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية المجتمع وإدارة موارده والاستجابة لاحتياجاته.
من هذا المنطلق، يأتي اجتماع اللواء المحافظ أحمد قائد القبة بمديري المديريات ليضع أمام الجميع مسؤولية مضاعفة: حماية الجبهة، وفي الوقت نفسه حماية استقرار الداخل وحقوق المواطن.
الرسالة التي أراد الاجتماع أن تصل بوضوح هي أن الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية وجهان لمعركة واحدة.
فلا يمكن حماية الأرض والمجتمع مع استمرار القصور في الخدمات، ولا يمكن بناء الاستقرار وسط إدارة ضعيفة أو موارد لا تُستثمر بكفاءة.
الضالع تواجه تحديات أمنية وعسكرية كبيرة، وهذا يفرض رفع الجاهزية وتعزيز التنسيق والإسناد للجبهات، لكنه في الوقت نفسه يفرض على السلطة المحلية أن تكون أكثر حضوراً في حياة المواطن، وأكثر قدرة على معالجة الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات.
المواطن لا يريد أن يسمع فقط عن الخطط والاجتماعات؛ هو يريد أن يرى أثرها في الشارع، يريد خدمة تتحسن، وطريقاً يُصلح، ومرفقاً يعمل، وإيراداً يُدار بشفافية، ومسؤولاً ينزل إلى الميدان ويتابع التفاصيل بنفسه.
ولهذا فإن الدعوة إلى النزول الميداني، وتشخيص أوجه القصور، وتحسين أداء المديريات، ورفع مستوى التنسيق بين مؤسسات الدولة، يجب ألا تبقى عناوين على محاضر الاجتماعات، المطلوب أن تتحول إلى إجراءات ونتائج يلمسها الناس.
وفي زمن الحرب، تصبح مسؤولية الإدارة أكبر، لا أصغر، فكل خلل خدمي أو إداري ينعكس على معنويات المجتمع وثقته، وكل نجاح في تحسين حياة الناس يمثل دعماً حقيقياً للاستقرار والصمود.
الضالع لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى عمل يُرى، وخدمة تُنجز، وموارد تُدار، ومسؤولية تُحاسب.
إسناد الجبهات واجب، لكن حماية المواطن في منزله وشارعه ومديريته واجب أيضاً، وبين بندقية المقاتل، وملف الموظف، ومشروع الخدمة، واحتياجات المواطن اليومية، تتحدد قدرة مؤسسات الدولة على إدارة هذه المرحلة الاستثنائية.
إن اجتماع قيادة المحافظة بمديري المديريات يجب أن يكون بداية لتحرك عملي، لا مجرد اجتماع آخر يُضاف إلى قائمة الاجتماعات.
فالمرحلة تتطلب انتقالاً واضحاً من رد الفعل إلى المبادرة، ومن تشخيص المشكلات إلى معالجتها، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.
فالضالع التي تصمد في الجبهة تستحق أيضاً إدارة تصمد في الميدان الخدمي، أمنٌ يحمي الناس، وخدماتٌ تحفظ كرامتهم، وإدارةٌ تستعيد ثقتهم؛ تلك هي المعادلة التي تحتاجها الضالع اليوم.
فحين يشعر المواطن أن أمنه مصان، وحقوقه محفوظة، وخدماته تتحسن، تصبح الجبهة الداخلية أكثر تماسكاً، ويصبح الصمود في وجه التحديات أقوى وأثبت.
الضالع تستحق أن تُدار بحجم تضحياتها، وأن تُخدم بما يليق بصمود أبنائها؛ فالمعركة لا تُحسم بالبندقية وحدها، وإنما بإرادة دولة تعرف كيف تحمي الأرض، وتصون الإنسان، وتبني الاستقرار،
وهنا تحديداً تبدأ المعركة الحقيقية .. من الداخل.