لا أدري من أول امرأة اكتشفت صناعة النكد، ولا أين حصلت على شهادة الدبلوم في هذا التخصص، لكن المؤكد أن الصناعة قديمة قدم الزواج نفسه، وأنها تطورت مع الزمن حتى وصلت إلى مرحلة الإنتاج التجاري واسع النطاق.
وأنا هنا لا أتهم النساء جميعًا، حاشا وكلا؛ فهناك نساء لو دخلن بيتًا أطفأن ناره بالمحبة والضحكة والكلمة الطيبة.
لكنني أتحدث عن تلك المرأة التي إذا دخل زوجها البيت، لم تسأله: «حياك الله، كيف حالك؟»، بل تنظر إليه من فوق إلى تحت، ثم تقول: «تأخرت».
فيقول المسكين: «والله الزحمة».
فترد: «ما قلت شيء».
وهذه الجملة عند المرأة ليست «ما قلت شيئًا» أبدًا! إنها بيان افتتاحي لأزمة سياسية.
أحد أصحابي، وهو رجل مسالم إلى درجة أنه إذا تشاجر مع ذبابة ترك لها الغرفة، اتصل بي يومًا وقال: «يا أبو زين، عندي مشكلة».
قلت: «خير؟»
قال: «زوجتي زعلانة مني».
قلت: «ليش؟»
قال: «والله ما أدري».
قلت: «سألتها؟»
قال: «سألتها».
قلت: «وماذا قالت؟»
قال: «قالت: ما في شيء».
قلت: «يعني المشكلة بسيطة».
قال: «بسيطة؟!»
ثم سكت قليلًا وقال: «لها ثلاثة أيام ما تكلمتني إلا بكلمتين».
قلت: «وما هما؟»
قال: «الغداء جاهز».
قلت: «ممتاز، هذا ليس نكدًا… هذه خدمة فندقية!»
قال: «لا تستهين بالموضوع، قالتها وهي تنظر إلى الجدار!»
وهذه واحدة من عجائب النكد الزوجي: قد لا تعرف المرأة سبب غضبها في البداية، لكن لا تقلق؛ السبب سيظهر أثناء التحقيق.
تسألها: «زعلانة مني؟»
«لا».
«أكيد؟»
«أكيد».
«طيب ليش ساكتة؟»
«ما أنا ساكتة».
«أجل تكلمي».
«ما عندي شيء أقوله».
هنا الرجل، إذا كان ذكيًا، يعرف أن عليه أن ينسحب بهدوء.
لكن بعض الرجال ــ سامحهم الله ــ يحبون الاستطلاع.
فيقول: «طيب أنا عملت لك شيء؟»
فتقول: «أنت أدرى».
وهذه الجملة بالذات تحتاج إلى لجنة تحقيق دولية؛ لأنك لو كنت «أدرى» فعلًا، لما سألت!
وفي أحد الأعراس في قريتنا، سمعت امرأة تقول لزوجها: «وين كنت؟»
قال: «عند الرجال».
قالت: «أي رجال؟»
قال: «رجال العرس».
قالت: «ومن كان معك؟»
قال: «الناس».
قالت: «أي ناس؟»
قال: «يا امرأة، ناس العرس!»
فقالت: «خلاص، ما عاد أسألك».
وهنا ظن الرجل أنه انتصر.
لكن بعد دقائق قالت: «وبعدين… من ذي التي سلمت عليك؟»
هنا أدرك أن التحقيق لم يكن عن المكان، وإنما عن الأدلة والمشتبه بهم.
ومن عجائب المرأة أنها تستطيع أن تفتح ملفًا أغلقته منذ عشر سنوات.
يقول الرجل: «أنا اعتذرت لك عن هذا الموضوع».
فتقول: «اعتذرت يومها».
قال: «أيوه، وانتهى الموضوع».
قالت: «لا، ما انتهى».
قال: «كيف ما انتهى؟»
قالت: «لأنك اعتذرت وأنت ما كنت مقتنع».
فيقول: «وكيف عرفتي أني ما كنت مقتنع؟»
فتجيبه بثقة: «من نبرة صوتك».
وهنا ينتهي النقاش.
لأن الرجل أمام جهاز كشف كذب بشري لا يحتاج إلى كهرباء.
أما أمثالنا الشعبية، فلها باع طويل في وصف الحياة الزوجية.
يقولون: «المرأة إذا زعلت، زعل البيت كله».
وأنا أضيف من عندي: «وإذا رضيت، سأل البيت كله: وين كنتِ؟»
فالزوج اليمني يعيش أحيانًا بين خيارين:
إن سأل: «مالك؟»
قالت: «ما فيني شيء».
وإن لم يسأل:
«حتى ما سألتني مالي!»
فقلت لصاحبي: «الحل بسيط».
قال: «ما هو؟»
قلت: «إذا قالت لك ما في شيء، قل لها: طيب».
قال: «وبعد؟»
قلت: «اهرب!»
قال: «إلى أين؟»
قلت: «عند أصحابك».
قال: «وإذا قالت لي: روح لأصحابك، أهم عندك مني؟»
قلت: «ارجع».
قال: «وإذا قالت: ما أريدك ترجع؟»
قلت: «اجلس مكانك».
قال: «وإذا قالت: ليش جالس؟»
قلت: «يا صاحبي، أنا أكتب مقالة… مش مستشار أسري!»
لكن للحق، الرجال أيضًا عندهم مواهبهم.
فقد تسأل المرأة زوجها: «شفت الثوب الجديد؟»
يقول: «أيوه».
«كيف؟»
«حلو».
«بس؟»
«ماذا تريدين أن أقول؟»
«ولا شيء».
ثم تبدأ المشكلة.
الرجل المسكين لا يفهم أن كلمة «حلو» تحتاج إلى ملحق فني:
«حلو جدًا، وأجمل ما فيه أنه عليكِ أنتِ، واللون مناسب لكِ، وشكلك اليوم غير…»
أما «حلو» وحدها، فهي شهادة ناقصة البيانات.
والأخطر من ذلك أن الرجل إذا عاد من السوق ومعه حاجات للبيت، ثم نسي شيئًا واحدًا، فلن تتذكر الزوجة الأشياء العشرة التي أحضرها.
ستقول: «قلت لك تجيب لي الكزبرة».
فيقول: «نسيتها».
فتقول: «دائمًا تنسى كلامي».
«والله نسيتها هذه المرة».
«وهذه المرة؟!»
وهنا يبدأ أرشيف الذاكرة.
«ويوم قلت لك… ويوم نسيت… ويوم رحت… ويوم رجعت متأخر… ويوم قلت لك…»
وفجأة يجد الرجل نفسه في سنة 2009 يبحث عن إجابة لسؤال لم يكن يعلم أنه سيُطرح عليه بعد سبعة عشر عامًا!
ومع ذلك، فالنكد ــ مثل الملح في الطعام ــ إذا كان قليلًا أعطى الحياة نكهة، وإذا زاد أفسدها.
والبيت بلا ضحك يصبح مثل مقيل بلا قات، والزوجان اللذان لا يعرفان كيف يتسامحان يتحول بيتهما إلى محكمة؛ كل واحد فيها محامٍ ومدعٍ عام وقاضٍ وشاهد إثبات.
أما أجمل البيوت، فهي التي إذا غضبت المرأة فيها قالت: «أنا زعلانة منك».
فيقول الرجل: «حقك عليّ».
فتضحك.
وإذا أخطأ الرجل قالت: «أنت غلطان».
فيقول: «أيوه، وأنا معترف».
ثم ينتهي الموضوع قبل أن يتحول إلى موسم جديد من مسلسل النكد.
فالمرأة ليست نكدًا، والرجل ليس ملاكًا.
لكن بعض الأزواج، رجالًا ونساءً، عندهم موهبة عجيبة في تحويل حبة خردل إلى جبل!
والخلاصة:
إذا غضبت زوجتك، لا تدخل معها في معركة لإثبات أنك على حق؛ فالزواج ليس مسابقة في جمع النقاط.
أحيانًا يكفي أن تقول: «سامحيني».
وإذا قالت: «ما أريد».
قل: «طيب، أنا جالس هنا حتى تريدي».
وإذا قالت: «قم من هنا».
قم.
وإذا قالت: «ليش قمت؟»
ارجع.
وإذا قالت: «لا ترجع!»
فهنا… تبدأ القصة من جديد