يُعد محمد علي هيثم الميسري (1940–1993م) واحدًا من أبرز رجال الحركة الوطنية الجنوبية، ومن الشخصيات التي عاشت معظم المنعطفات الكبرى في تاريخ الجنوب اليمني؛ من مقاومة الاستعمار البريطاني وثورة 14 أكتوبر، إلى الاستقلال وبناء الدولة، ثم الصراع السياسي والمنفى، وأخيرًا قيام الوحدة اليمنية.
وُلد محمد علي هيثم عام 1940م في قرية الحَسَك بدثينة، ونشأ في بيئة اجتماعية كانت دثينة فيها من المناطق التي أخذ فيها الوعي الوطني والقومي يتنامى مبكرًا. تلقى تعليمه، ثم واصل دراسته في عدن، وعمل بعد ذلك مدرسًا في مدارس المنطقة، ومنها مدارس زارة ولودر ومودية.
وفي أواخر الخمسينيات اتجه إلى العمل السياسي، فالتحق بـحركة القوميين العرب، وأصبح من الجيل المبكر الذي نشر أفكار الحركة في دثينة. وفي عام 1960م تشكلت في مودية خلية قيادية للحركة برئاسة حسين الجابري، وضمّت في صفوفها علي ناصر محمد ومحمد علي هيثم ومحمد سليمان ناصر، لتصبح دثينة واحدة من البيئات المهمة التي خرجت منها قيادات سياسية وثورية لاحقًا.
ومع تصاعد النضال ضد الاستعمار البريطاني، انتقل هيثم تدريجيًا من العمل السياسي والتعليمي إلى العمل التنظيمي والعسكري. وفي 1964م تفرغ للعمل الثوري، وتنقل بين دثينة وعدن وتعز، مشاركًا في بناء الخلايا التنظيمية ودعم جبهات الكفاح المسلح.
وفي 1965م تولى قيادة جبهة المنطقة الوسطى التي شملت دثينة والعوذلي والفضلي، ثم تولى في 1966م قيادة القطاع الفدائي في المدن التابعة لعدن، فأصبح نشاطه يتجاوز نطاق المنطقة الوسطى إلى قلب المواجهة مع الوجود البريطاني.
وفي عام 1967م كان محمد علي هيثم من القيادات المنخرطة في المرحلة الأخيرة من الثورة. وتذكر بعض المصادر أنه أُرسل إلى القاهرة ضمن ترتيبات سياسية وتنظيمية، ثم عاد إلى الجنوب في النصف الثاني من العام، ليواصل نشاطه حتى اقتراب موعد الاستقلال.
وفي 30 نوفمبر 1967م رحلت بريطانيا عن الجنوب، وأُعلن الاستقلال، وقامت دولة الجنوب. وكان هيثم واحدًا من رجال الثورة الذين انتقلوا من الخنادق إلى مؤسسات الدولة، فعُيّن وزيرًا للداخلية في أول حكومة بعد الاستقلال.
لكن الدولة الجديدة لم تكن قد خرجت من زمن الثورة بكل تناقضاته؛ فقد بدأت الخلافات داخل قيادة الجبهة القومية حول شكل الدولة واتجاهها السياسي والاقتصادي، واحتدمت المنافسة بين التيارات المختلفة.
وفي 22 يونيو 1969م وقعت الحركة التي أعادت ترتيب موازين القوى داخل قيادة الجبهة القومية، وأفضت إلى مرحلة سياسية جديدة برز فيها سالم ربيع علي (سالمين) ورفاقه. وفي 23 يونيو 1969م عُيّن محمد علي هيثم رئيسًا لمجلس الوزراء، خلفًا لفيصل عبد اللطيف الشعبي، ليصبح بذلك ثاني رئيس وزراء لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
كان وصوله إلى رئاسة الحكومة تتويجًا لمسيرة بدأت من قرية في دثينة، ثم مرت بالمدرسة وحركة القوميين العرب والجبهة القومية والكفاح المسلح، وانتهت إلى قمة السلطة التنفيذية في دولة الجنوب.
استمرت حكومته حتى 2 أغسطس 1971م، حين انتهت ولايته في رئاسة الوزراء، وتولى علي ناصر محمد رئاسة الحكومة من بعده. وكانت تلك الفترة من أكثر مراحل تاريخ الجنوب اضطرابًا؛ إذ تداخل فيها بناء الدولة مع الصراع على توجهها السياسي والاقتصادي، وبدأت الخلافات داخل القيادة تتخذ طابعًا أكثر حدة.
بعد خروجه من السلطة غادر محمد علي هيثم البلاد، واستقر في القاهرة منذ عام 1972م، ودخل مرحلة طويلة من المنفى السياسي. لكنه لم يبتعد عن الشأن العام، بل واصل نشاطه السياسي، وانتقل من موقع رجل الدولة إلى موقع المعارض والداعي إلى إعادة بناء الحياة السياسية اليمنية على أساس مختلف.
وخلال سنوات المنفى اتجه بصورة واضحة إلى المشروع الوحدوي، وأسهم مع عدد من الشخصيات اليمنية في تأسيس أطر سياسية تدعو إلى إنهاء الانقسام بين الشمال والجنوب. وفي 1980م شارك في تشكيل التجمع القومي، وظل من الأصوات التي تنادي بالوحدة اليمنية قبل أن تتحقق رسميًا.
وجاء 22 مايو 1990م ليحقق الوحدة اليمنية، فعاد محمد علي هيثم إلى وطنه بعد سنوات طويلة من الغياب. وشارك في الحياة السياسية الجديدة، وأسهم في النشاط المتصل بالانتخابات البرلمانية الأولى بعد الوحدة عام 1993م.
وفي مايو 1993م عُيّن وزيرًا لـالتأمينات والشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة حيدر أبو بكر العطاس، ليعود بذلك إلى مؤسسات الدولة من بوابة الجمهورية اليمنية الموحدة؛ وهي مفارقة تاريخية لافتة في مسيرته: فقد شارك في بناء دولة الجنوب بعد الاستقلال، ثم قضى سنوات في المنفى داعيًا إلى الوحدة، ثم عاد ليصبح وزيرًا في الدولة اليمنية الموحدة.
لكن عودته لم تدم طويلًا؛ ففي 10 يوليو 1993م توفي محمد علي هيثم، عن عمر يقارب الثالثة والخمسين.
وتبقى ظروف وفاته محل روايات متباينة؛ فهناك من يذكر أنه توفي إثر أزمة قلبية، بينما تتحدث روايات أخرى عن تعرضه للتسميم. ومن الناحية التوثيقية، لا ينبغي الجزم بإحدى الروايتين دون وثيقة طبية أو تحقيق تاريخي مستقل يحسم المسألة.
وهكذا تختصر سيرة محمد علي هيثم قصة جيل كامل من أبناء الجنوب: من المدرسة إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى الثورة، ومن الثورة إلى الدولة، ومن الدولة إلى المنفى، ومن المنفى إلى مشروع الوحدة.
وإذا كانت دثينة قد أنجبته، فإن تاريخ الجنوب حفظ اسمه بين الرجال الذين خرجوا من قرى المنطقة الوسطى ليكون لهم حضور في صناعة مرحلة كاملة من تاريخ اليمن.
محمد علي هيثم.. ابن دثينة الذي عاش الثورة، وبنى الدولة، وعانى المنفى، ثم عاد إلى وطنه في زمن الوحدة.
أبو زين الوليدي
