قال، في جوهر حديثه، إن قضية الشعوب، مهما كانت عادلة، لا يمكن أن تنتصر بقادة يتحولون إلى تجار ومرتزقة، ثم يصبحون رموزا وقاعدة شعبية يغلب عليها التعصب والولاء للأشخاص.
إذا كان البعض قد فهم أن الكلام يعنيه، فالسؤال البديهي: لماذا لا يرد بلغة سياسية رصينة، وبحجج واضحة ومفردات مؤدبة، تثبت خطأ ما قيل؟ أليس هذا هو السلوك الذي يفترض أن يميز كيانا يدعي تمثيل قضية شعب ومصير أمة؟
أما أن يتحول الاختلاف إلى شتائم وتخوين وتهديد وانفعال، فذلك لا يفند الفكرة، بل يعززها.
ووديـع منصور ليس أول من تحدث عن هذه الاختلالات. خلال السنوات الماضية كتب وتحدث كثير من الإعلاميين والمثقفين والسياسيين، وحذروا من انحراف مسار القضية الجنوبية، وطالبوا بمراجعة الأخطاء قبل أن تتحول القضية العادلة إلى وسيلة للنفوذ والمصالح. لكن بدلا من الإصغاء، كان الرد في كثير من الأحيان اتهامات وشتائم وتخوينا لكل من ينتقد أو يختلف.
وهكذا، وبمرور الوقت، بدأت الفجوة تتسع بين عدالة القضية وبين ممارسات بعض من تصدروا المشهد باسمها. فالقضية لا تفقد عدالتها لأنها قضية غير عادلة، وإنما قد يفقدها بعض ممثليها عندما تتحول الممارسة السياسية إلى إقصاء، والاستحواذ إلى حق مكتسب، والنفوذ إلى غنيمة، والنقد إلى تهمة.
والأخطر من ذلك أن بعض من كانوا يرفعون شعارات الدولة والقانون أصبحوا، في نظر قطاعات واسعة من الناس، جزءا من المشكلة التي كانوا يقولون إنهم جاءوا لمعالجتها. فبدلا من بناء مؤسسات تحمي الحقوق وتصون المال العام، ظهرت ممارسات لا تختلف كثيرا عن ممارسات الأنظمة التي سبقتها، بل إن بعضها كان أكثر قسوة في بعض جوانبه.
والحديث هنا ليس عن التشفي أو الانتقام من أحد، بل عن سؤال واضح: هل ما زال هناك استعداد لمراجعة السنوات الماضية بشجاعة؟
إذا كانت هناك ممتلكات للدولة أو حقوق خاصة استولى عليها أفراد أو جهات، فالموقف الصحيح ليس الدفاع عنها بالشعارات ولا حماية أصحابها بالاتهامات، وإنما إعادة الحقوق إلى أصحابها، وإعادة مال الدولة إلى الدولة، وترك الفصل في النزاعات للقانون والقضاء.
أما الاستمرار في تصوير كل من يطالب باستعادة مؤسسات الدولة والنظام والقانون باعتباره خائنا أو عميلا أو إرهابيا، وفي المقابل تقديم كل من في صف الجماعة باعتباره وطنيا ونزيها، فهذه ليست سياسة ولا دولة، بل عقلية إقصائية لا تستطيع أن ترى الحقيقة إلا من زاوية واحدة.
لقد آن الأوان لأن نخرج من منطق: نحن الملائكة وكل الآخرين خونة.
فصفحات السنوات العشر الماضية ليست مجهولة، والتاريخ القريب مليء بالوقائع والأسماء والمواقف. وإذا أردنا الحقيقة فعلا، فعلينا أن نسأل بموضوعية: من قتل؟ من انتهك؟ من نهب؟ من فسد؟ من صادر الحقوق؟ ومن وقف مع الدولة والقانون؟ ومن جعل من القضية سلما إلى السلطة والنفوذ؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الشتائم.
والقضية العادلة لا تحتاج إلى بلطجة تحميها، ولا إلى تخوين لمن ينتقدها، ولا إلى رموز فوق المساءلة. القضية العادلة تحتاج إلى رجال دولة، وإلى مؤسسات، وإلى قانون، وإلى شجاعة الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
أما وديع منصور وغيره من الإعلاميين، فليس المطلوب أن يكونوا مع هذا الطرف أو ذاك. المطلوب فقط أن يقولوا ما يرونه، وأن يملك من يختلف معهم القدرة على الرد بالحجة.
فمن يملك الحقيقة لا يخاف من السؤال، ومن يملك الحجة لا يحتاج إلى الشتيمة.
احمد ناصر حميدان