لم تكن استقالة الإدارة السابقة لنادي التلال الرياضي في عدن، برئاسة محمود جرادي، منتصف يوليو الماضي، مجرد نهاية لمرحلة إدارية، بل فتحت الباب أمام ملفات مالية وإدارية ثقيلة وجد النادي نفسه مطالبًا بمعالجتها، في مقدمتها ملف المديونية ومستحقات لاعبيه وأجهزته الفنية.
ومع رحيل الإدارة السابقة، بقيت أبواب نادي التلال مغلقة لفترة، بينما وجد لاعبو مختلف الألعاب والأجهزة الفنية والإدارية أنفسهم أمام واقع صعب، في ظل تأخر رواتبهم.
وبحسب المعلومات المتداولة داخل النادي، فإن المستحقات المتأخرة للاعبين والأجهزة الفنية تشمل أربعة أشهر متتالية: (أبريل ومايو ويونيو ويوليو) ، الأمر الذي جعل الأزمة المالية تتجاوز حدود التأخير المؤقت لتتحول إلى مصدر قلق حقيقي داخل النادي.
ورغم ذلك، واصل أبناء التلال أداء أدوارهم الرياضية، متمسكين بناديهم الذي يحمل تاريخًا يمتد إلى عام 1905، باعتباره من أعرق الأندية الأهلية في المنطقة.
التلال يلعب.. والنادي بلا إدارة
في واحدة من أكثر مفارقات المرحلة وضوحًا، لم يتوقف النشاط الرياضي بالكامل رغم غياب الهيئة الإدارية.
الفريق الكروي الأول، بقيادة المدرب حمادة الوادي، واصل مشواره في بطولة كأس الجمهورية لكرة القدم 2026، ونجح في تجاوز الأدوار الأولى والوصول إلى دور الـ32، قبل أن يحقق فوزًا جديدًا أوصله إلى الدور ثمن النهائي.
كل ذلك تحقق في الوقت الذي كان فيه النادي يمر بفراغ إداري، وفي ظل ملفات مالية عالقة، أبرزها رواتب اللاعبين والأجهزة الفنية.
وبالنسبة للتلاليين، فإن استمرار الفرق في المنافسات خلال تلك الفترة يعكس حجم ارتباط اللاعبين والمدربين بالنادي، رغم الظروف التي أحاطت بهم.
حين نفد صبر التلاليين
ومع استمرار حالة الجمود، ارتفعت أصوات لاعبين ومدربين وإداريين ونجوم سابقين ومحبي النادي، مطالبة الجهات المعنية بسرعة التدخل لإنقاذ التلال من أزمته الإدارية والمالية.
وتوجهت المناشدات إلى وزير الشباب والرياضة نايف البكري، ووزير الدولة محافظ العاصمة عدن عبدالرحمن شيخ، للتدخل العاجل وسرعة إنقاذ نادي التلال من هذا الفراغ الإداري، بالإضافة إلى توجيه مناشداتهم إلى مدير عام مكتب الشباب والرياضة بعدن رائد علي نعمان، للمطالبة بسرعة تشكيل لجنة إدارية مؤقتة تتولى إدارة شؤون النادي.
ولم تبقَ المطالبات في إطار المناشدات الإلكترونية، إذ لجأ عدد من التلاليين إلى تنظيم وقفات احتجاجية، بعد أن شعروا، بحسب تعبيرهم، بأن ملف النادي ظل دون معالجة حاسمة.
وكانت تلك الوقفات بمثابة جرس إنذار للجهات المعنية بالشأن الرياضي في عدن، قبل أن يأتي التحرك الإداري.
لجنة مؤقتة.. وأمل بحل الأزمة
وخلال أقل من 48 ساعة، وفق المعلومات التي قدمها التلاليون، قام مدير عام مكتب الشباب والرياضة بعدن رائد علي نعمان بتكليف لجنة إدارية مؤقتة لإدارة نادي التلال، برئاسة وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف.
الخطوة قوبلت بارتياح في أوساط التلاليين، الذين رأوا في تشكيل اللجنة بداية لمعالجة الملفات المتراكمة، وفي مقدمتها الملف المالي وصرف رواتب اللاعبين والأجهزة الفنية في مختلف الألعاب.
لكن الآمال اصطدمت سريعًا بواقع الأزمة المالية.
«الرواتب ليست من مسؤوليتنا».. رواية اللاعبين
بحسب ما نقله عدد من لاعبي التلال في ألعاب كرة القدم والسلة والطائرة، فإنهم تلقوا من اللجنة المؤقتة ردًا مفاده أن اللجنة لا تتحمل مسؤولية الرواتب المتأخرة، وأن الإدارة السابقة تركت مديونية كبيرة على النادي.
ووفق الرواية ذاتها، فإن محافظ العاصمة عدن كان قد وعد بالعمل على سداد المديونية، وأن صرف الرواتب المتأخرة مرتبط بسداد تلك المديونية.
هذه الرواية أثارت حالة من الاستغراب والغضب بين عدد من التلاليين، خصوصًا أن تشكيل اللجنة المؤقتة كان قد أعاد إليهم الأمل بإمكانية فتح الملفات العالقة، وفي مقدمتها مستحقات اللاعبين والمدربين.
وتساءل عدد من التلاليين عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن سبب قبول مهمة إدارة النادي رغم معرفة حجم المديونية والملفات المالية التي تنتظر الحل.
أربعة أشهر.. واللاعب ينتظر
في قلب الأزمة يقف اللاعب والمدرب باعتبارهما الطرف الأكثر ارتباطًا بنتائجها اليومية.
أربعة أشهر من الرواتب المتأخرة ـ أبريل ومايو ويونيو ويوليو 2026م ـ تعني بالنسبة للاعبين والأجهزة الفنية مستحقات تراكمت خلال فترة كان المطلوب فيها مواصلة التدريب والمشاركة وتحقيق النتائج.
وفي الوقت الذي كان فيه الفريق الكروي يواصل مشواره في بطولة كأس الجمهورية، كانت الأزمة المالية تتفاقم خلف الكواليس، لتصبح اليوم واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل النادي.
ولا تقتصر القضية، بحسب المعلومات المتداولة، على فريق كرة القدم، إذ تمتد إلى الأجهزة الفنية واللاعبين في عدد من الألعاب الرياضية داخل النادي، بينها كرة السلة والكرة الطائرة.
أكثر من شهرين على الوعود
وبحسب المعطيات التي قدمها التلاليون، مر أكثر من شهرين على الوعود المتعلقة بمعالجة مديونية النادي، دون أن تنتهي أزمة المستحقات المالية.
وخلال هذه الفترة، لم يكن التأثير ماليًا فقط، بل بدأ ينعكس على الاستقرار الفني لبعض الفرق.
ففي وقت سابق، أعلن لاعبو الفريق الكروي الأول إيقاف نشاطهم وعدم مزاولة الحصص التدريبية، احتجاجًا على أوضاعهم ومستحقاتهم المالية.
ودفعت تلك الخطوة الإدارة الحالية إلى الجلوس مع قادة الفريق في محاولة لاحتواء الموقف وتهدئة اللاعبين، قبل أن يعود النشاط مجددًا بعد توقف استمر أيامًا قليلة.
لكن عودة اللاعبين إلى التدريبات لم تعنِ انتهاء المشكلة، بل جاءت في ظل استمرار الملف المالي دون حل نهائي، وفق ما تؤكده حالة الغضب المتصاعدة بين التلاليين.
غضب على مواقع التواصل.. وتهديد بالتصعيد
في الأيام الأخيرة، عادت قضية الرواتب إلى واجهة المشهد التلالي بقوة، منشورات وتغريدات غاضبة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت مطالبات بسرعة صرف رواتب اللاعبين والأجهزة الفنية لمختلف الألعاب، وإنهاء حالة الانتظار التي طالت.
وبحسب ما يتداوله عدد من التلاليين، فإن استمرار التأخير قد يقابله تنظيم وقفات احتجاجية أمام بوابة النادي وأمام مكتب محافظ العاصمة عدن.
كما هدد عدد من اللاعبين في بعض الألعاب، وفق المعلومات المتداولة، بالتوقف عن النشاط حتى تتم الاستجابة لمطالبهم وصرف مستحقاتهم.
وإذا تحولت هذه التهديدات إلى خطوات عملية، فقد تجد الإدارة المؤقتة نفسها أمام أزمة جديدة، لا تتعلق فقط بالجانب المالي، وإنما باستمرارية النشاط الرياضي داخل النادي.
من يتحمل المسؤولية؟
أزمة التلال المالية تضع أكثر من طرف أمام أسئلة صعبة، فالإدارة السابقة تركت، وفق المعطيات المتداولة، مديونية كبيرة خلفها بعد استقالتها، بينما جاءت اللجنة الإدارية المؤقتة لتتولى إدارة نادٍ مثقل بالملفات المالية.
وفي المقابل، ينتظر اللاعبون والأجهزة الفنية مستحقاتهم عن أربعة أشهر، ولا يستطيعون الانتظار إلى أجل غير مسمى، خصوصًا مع استمرار التزاماتهم اليومية.
وبين هذا الطرف وذاك، يقف النادي نفسه في المنتصف.
التلال ليس مجرد فريق كرة قدم، بل مؤسسة رياضية ذات تاريخ طويل، ويمثل بالنسبة لجماهيره وقطاع واسع من أبنائه جزءًا من ذاكرة عدن الرياضية.
ولهذا فإن استمرار الأزمة لا يثير القلق على الرواتب وحدها، بل يفتح الباب أمام مخاوف أكبر تتعلق باستقرار الألعاب الرياضية واستمرار المنافسات والحفاظ على فرق النادي وأجهزته الفنية.
«عميد الأندية».. إلى أين؟
ربما يكون السؤال الأهم اليوم: «إلى متى يستطيع التلاليون الاستمرار في اللعب تحت وطأة أزمة مالية مفتوحة؟»
فاللاعب الذي واصل التدريب والمنافسة، والمدرب الذي قاد فريقه في المباريات، والجهاز الفني الذي حافظ على استقرار فريقه، جميعهم ينتظرون مستحقاتهم.
وفي الجهة الأخرى، تجد اللجنة المؤقتة نفسها أمام إرث مالي وإداري ثقيل، بينما ينتظر منها أبناء النادي حلولًا عملية لا مجرد وعود جديدة.
وبين مديونية لم تُغلق، ورواتب لأربعة أشهر لم تُصرف، واحتجاجات تلوح في الأفق، يقف نادي التلال أمام مرحلة دقيقة تحتاج إلى قرار واضح ومعالجة جادة للملف المالي.
فهل تنجح الجهات المعنية في طي صفحة رواتب 4 أشهر «أبريل ومايو ويونيو ويوليو» قبل أن تتوسع دائرة الاحتجاجات؟ أم أن أزمة المستحقات ستفتح فصلًا جديدًا من الأزمات داخل «عميد الأندية»؟
ذلك ما ستكشفه الأيام المقبلة.