آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-12:22م

تخندق وتجرد

الإثنين - 24 أغسطس 2026 - الساعة 10:34 ص
ناصر الوليدي


متى سأرى سلفيا يبحث في مسألة المولد النبوي، ثم يفتي بمشروعية الاحتفال به، ومتى أرى صوفيا أو متصوفا يبحث فيها، ثم ينتهي إلى القول بحرمته أو بدعيته؟

حينها فقط سأقول: لقد بلغ البحث (أعلى درجات التجرد).

أما الحالة الغالبة، فإن الصوفي يدخل إلى المسألة وهو أقرب إلى الانتصار لمشروعية المولد، لأنها النتيجة المنسجمة مع جماعته ومذهبه ومسلكه، بينما يدخل السلفي إليها وهو أقرب إلى القول بالمنع؛ لأنها النتيجة التي توافق جماعته ومذهبه وتصوراته المسبقة.

وهنا لا تعود المشكلة في اختلاف النتائج بقدر ما تكمن في مقدمات البحث وموقع الباحث منها.

فالخلاف العلمي الصحي هو أن يصل الباحث إلى النتيجة التي قادته إليها الأدلة، ولو خالفت جماعته ومدرسته وموروثه الفكري. أما أن تكون النتيجة معلومة سلفا، ثم تستدعى الأدلة لتأييدها، فذلك أقرب إلى الانتصار للموقف منه إلى البحث عن الحقيقة.

ولهذا فإن من أقوى علامات التجرد العلمي أن يستطيع الباحث أن يقول: هذا ما دل عليه الدليل، ولو كان مخالفا لما عليه أصحابي ومشايخي ومدرستي. ثم يتحمل نتائجه التي قد تكون مؤلمة..

أما أن يكون انتماء الباحث هو الذي يحدد النتيجة قبل أن يبدأ البحث، فهنا يتحول الخلاف من بحث علمي إلى تخندق في صراع تاريخي بين المدارس والجماعات.

والأخطر أن كل فريق قد يتوهم أنه يمارس البحث العلمي المتجرد، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج الموقف الذي ورثه، ثم يبحث له عن الأدلة.

إن التجرد الحقيقي لا يعني ألا يكون للباحث رأي، وإنما يعني أن يكون الدليل قادرًا على تغيير رأيه.

وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم


*أبو زين الوليدي*