آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-12:22م

علي شيخ عمر السعيدي .. المناضل الجسور ابن دثينة الذي عبر من النضال الوطني إلى قيادة الدولة

الإثنين - 17 أغسطس 2026 - الساعة 03:41 م
ناصر الوليدي


*أعلام دثينة*


الميلاد والنشأة في دثينة

وُلد علي شيخ عمر السعيدي سنة 1939م في قرية تنوخ بدثينة، ونشأ في بيئة دثينية عرفت تاريخيًا بنظامها الشوروي وبمجالس الأعيان.

في هذه البيئة وُلد علي شيخ عمر، وتلقى تعليمه الأول في كتاتيب القرآن الكريم في قريته، قبل أن يغادر دثينة إلى عدن سنة 1954م، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته.


من دثينة إلى عدن


كان انتقاله إلى عدن نقطة تحول أساسية في حياته؛ فقد التحق بشركة مصافي عدن، وعمل ضمن قوة المطافي، لكنه لم يستمر فيها طويلًا، لينتقل بعد ذلك إلى مجال آخر أكثر اتصالًا بالنشاط الوطني.

وفي عدن بدأ علي شيخ عمر بناء شخصيته السياسية والثقافية. إذ كان حريصًا على مطالعة الكتب الدينية والسياسية والتاريخية والأدبية، كما التحق بدورات في معاهد عدن لدراسة اللغة الإنجليزية.

في سنة 1957م انخرط علي شيخ عمر في عضوية نقابة عمال القاعدة الجوية البريطانية بخورمكسر، ثم انتُخب سنة 1958م سكرتيرًا للنقابة.

في سنة 1958م تداعى أبناء دثينة إلى إنشاء إطار خاص يجمعهم، ويساعدهم على دراسة أوضاع منطقتهم وخدمة أبنائها، فتأسست جمعية دثينة الخيرية.

وكان علي شيخ عمر واحدًا من مؤسسيها، إلى جانب عدد من أبناء دثينة، منهم: عمر امعبد عمر، وأحمد ناصر الخادم، ومحمد هيثم الصوبي، وأحمد علي حسين، والسيد محمد علي مكسر، والسيد ناصر الكوني، وعمر سالم الشوذبي، وصالح عبدالله باصهيب، وسالم محمد باهرمز، وناصر عمر شيخ.

في مطلع ستينيات القرن العشرين انتقل نشاط علي شيخ عمر من العمل النقابي والاجتماعي إلى العمل السياسي المنظم حيث انضم إلى حركة القوميين العرب في أوائل عام 1960م، وكان منضبطًا وملتزمًا بأفكار التنظيم وتعليماته، وانعكست هذه الأفكار على سلوكه وعلاقاته بأهله وأصدقائه ورفاقه ومواطنيه.

وكان ذلك تمهيدًا لدخوله المرحلة الأكثر خطورة في حياته السياسية: مرحلة العمل الفدائي ضد الاستعمار البريطاني.

كان الفقيد من أوائل الملتحقين بالجبهة القومية، وانضم إلى أول خلية للفدائيين التي كان مسؤولًا عنها محمد باشراحيل.

وفي منتصف سنة 1964م تولى قيادة أول خلية لفدائيي الجبهة القومية في عدن، وكان من عناصرها محمد صالح مطيع ومهيوب علي غالب عبود وآخرون.

وفي 27 نوفمبر 1964م اعتقلته القوات البريطانية، وأودعته الزنزانة رقم 3 في سجن مربط بالتواهي.

وأُطلق سراحه في يونيو 1965م، بعد فترة من الاعتقال والتعذيب حالت دون مشاركته في المؤتمر الأول للجبهة القومية الذي انعقد في تعز في الشهر نفسه.

لكنه عاد إلى النشاط التنظيمي، فشارك في المؤتمر الثاني للجبهة القومية في جبلة سنة 1966م، ثم في المؤتمر الثالث الذي انعقد في خمر بين 29 نوفمبر و3 ديسمبر 1966م. وفي سنة 1967م تولى مسؤولية العمل الفدائي في الشيخ عثمان حتى خروج الاستعمار البريطاني من البلاد

بعد الاستقلال، انتقل علي شيخ عمر من العمل السري والفدائي إلى العمل الرسمي في مؤسسات الدولة الجديدة.

فقد عيّنه الرئيس قحطان محمد الشعبي مديرًا لأمن عدن، وهو المنصب الذي كان يعرف في عهد الاستعمار بمفوض الشرطة.

ثم أصدر الرئيس سالم ربيع علي سالمين قرارًا بتعيينه مديرًا للأمن العام في الجمهورية.

وبذلك انتقل ابن دثينة من زنزانة سجن مربط والعمل الفدائي السري إلى موقع المسؤولية الأمنية العليا في دولة الاستقلال.

لكن مرحلة ما بعد الاستقلال لم تكن مستقرة؛ فقد شهدت صراعات سياسية وتنظيمية حادة داخل الدولة والجبهة

ثم صدر في 27 يوليو 1970م قرار رئاسي بتعيينه في موسكو وزيرًا مفوضًا وقائمًا بأعمال سفارة اليمن الجنوبية في الاتحاد السوفيتي.

وفي سنة 1973م وجهت إليه ثلاث دعوات رسمية لحضور مؤتمر سفراء اليمن الديمقراطية في الخارج، لكنه لم يستجب لها، إذ انتابته مخاوف من أن يكون وراء تلك الدعوات إجراء يستهدفه مع آخرين.

ثم كانت إثيوبيا آخر محطات عمله الدبلوماسي؛ إذ عُيّن سنة 1973م قنصلًا عامًا لليمن الديمقراطية في إثيوبيا.

وبعد سقوط نظام الإمبراطور هيلا سلاسي سنة 1974م، وقيام النظام العسكري بقيادة منجستو هيلاماريام، طلب علي شيخ عمر اللجوء السياسي إلى مصر في 29 سبتمبر 1974م.

في نهاية سنة 1974م، وبعد وصول علي شيخ عمر إلى مصر، شارك مع عدد من رفاقه في تأسيس جبهة الوحدة اليمنية برئاسة محمد علي هيثم.

وهذه الواقعة تكشف أن العلاقة بين الرجلين لم تكن مجرد علاقة زمالة سياسية عابرة؛ فقد جمعهما تاريخ مشترك في الحركة الوطنية، ثم جمعهما المنفى السياسي، ثم مشروع سياسي حمل عنوان الوحدة اليمنية.


التجمع القومي للقوى الوطنية


استمرت علاقة علي شيخ عمر بمحمد علي هيثم في إطار العمل السياسي المعارض في الخارج.

ففي سنة 1980م كان علي شيخ عمر من الأعضاء المؤسسين لـ التجمع القومي للقوى الوطنية في الجنوب اليمني، الذي ضم عددًا من الشخصيات الجنوبية، من بينهم عبدالقوي مكاوي، وشيخان الحبشي، ومحمد علي هيثم، وطه أحمد مقبل، وسالم زين محمد، وعلي القفيش، وأبوبكر شفيق، والشيخ فريد بن أبوبكر العولقي، والشيخ سيف العزيبي، وناصر أحمد عرجي وغيرهم.

ولم يقتصر دوره على العضوية، بل كان عضوًا في اللجنة التنفيذية للتجمع.

ومن الملاحظ إن اسم محمد علي هيثم يتكرر في مسيرة علي شيخ عمر في محطات مفصلية: من رفاق النضال، إلى المنفى، إلى تأسيس جبهة الوحدة اليمنية، ثم إلى التجمع القومي للقوى الوطنية.


العودة إلى العمل السياسي في ظل الوحدة


بعد قيام الوحدة اليمنية سنة 1990م، اندمج أعضاء التجمع القومي في إطار المؤتمر الشعبي العام.

وأصبح علي شيخ عمر عضوًا في اللجنة الدائمة، وعضوًا في مجلس النواب، كما عُيّن مستشارًا لوزير الداخلية.

وشارك مع آخرين في تأسيس فروع المؤتمر الشعبي العام في المحافظات الجنوبية والشرقية.


محافظًا لأبين


في منتصف سنة 1994م صدر قرار رئاسي بتعيين علي شيخ عمر محافظًا لمحافظة أبين. وجاء تعيينه في ظرف استثنائي هو حرب صيف 1994م، فتحمل مسؤولية المحافظة في تلك المرحلة الصعبة

وهكذا بلغ ابن دثينة موقعًا إداريًا رفيعًا في المحافظة التي ينتمي إليها تاريخيًا، بعد مسيرة طويلة بدأت من قرية تنوخ، مرورًا بعدن والسجون والعمل الفدائي والأمن والدبلوماسية والمنفى.


محافظًا لشبوة


وفي منتصف سنة 1995م صدر قرار رئاسي بتعيينه محافظًا لمحافظة شبوة.

استمر في منصبه حتى سنة 1997م، حين طلب إعفاءه لأسباب صحية.

ثم غادر اليمن سنة 2000م إلى بريطانيا لتلقي العلاج، واستقر بعد ذلك في القاهرة، حيث بقي حتى وفاته.


الوفاة والتكريم


توفي علي شيخ عمر السعيدي في القاهرة يوم 7 أبريل 2003م.

ونُقل جثمانه إلى صنعاء، وشُيّع إلى مقبرة الشهداء في اليوم نفسه، وكان في مقدمة المشيعين الرئيس علي عبدالله صالح، ونائبه عبدربه منصور هادي، ورئيس مجلس الشورى عبدالعزيز عبدالغني رحمهم الله جميعاً، إلى جانب عدد من المسؤولين والمناضلين.

حصل خلال حياته على عدد من الأوسمة والشهادات، منها وسام الوحدة اليمنية، ووسام 30 نوفمبر، ووسام 14 أكتوبر، وميدالية المليشيا السوفيتية في موسكو سنة 1972م، إضافة إلى شهادات تقدير من جهات مختلفة.

نسأل الله أن يغفر له ويرحمه ويسكنه فسيح جناته.

منتدى دثينة (٧٨٤٧١١٣٩٢

.