آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-12:22م

ليتنا مثل (أم شوقي للأثاث)!

الخميس - 30 يوليو 2026 - الساعة 09:15 م
ناصر الوليدي


لي في مواقع التواصل عدد كبير من حملة الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس، في المجالات الشرعية ومن أئمة المساجد وخطبائها، ومن خريجي المعاهد والكليات الشرعية، بل ومن يحمل لقب الأستاذ الدكتور في الشريعة.

ومع ذلك، لا تكاد تجد لأكثرهم أثرا دعويا يُذكر في وسائل التواصل. فمنذ سنوات طويلة، لا يرسل بعضهم إلا: (صباح الخير للطيبين) و(مساء الخير للرائعين) وكأن رسالته في الحياة قد اختزلت في هذه العبارات. وآخرون استغرقتهم الجروبات؛ فهذا مع هذا الطرف، وذاك ضد الآخر، وهذا يلهث خلف خبر عابر، وآخر يمارس التحليل السياسي بعقلية المجالس العامة، حتى ضاعت الرسالة بين الضجيج.

وفي المقابل، أنا مشترك في أكثر من خمسين مجموعة، وقد لفت انتباهي اسم يتكرر باستمرار: (أم شوقي للأثاث). لا تكاد تفتأ تروّج لبضاعتها من مختلف أنواع الأثاث، حتى يخيل إليك أنها لا تعرف الراحة ولا التوقف.

لدى (أم شوقي) قضية واحدة؛ لذلك اشتركت في مئات المجموعات والصفحات من أجلها. لا يشغلها كأس العالم، ولا أخبار عيدروس، ولا تعيينات العليمي، ولا أحداث مالي، ولا تطورات بوركينا فاسو، ولا تصريحات ترامب، ولا حرب أوكرانيا. لقد سخرت وقتها وجهدها ووسائلها كلها لقضيتها، لأنها تؤمن بأن نجاحها مرتبط بالاستمرار في خدمتها.

وكنت أقول في نفسي: لو أن هذا الأستاذ الجامعي، أو ذلك الدكتور، أو هذا الشيخ، أو ذلك الداعية، أخلص لدعوته، وثابر عليها كما أخلصت (أم شوقي) لقضيتها، لتغير كثير من واقعنا. لكن المؤسف أن عددًا من الدعاة أصبحوا وكأنهم أُحيلوا إلى التقاعد الدعوي، أو صاروا ضمن القوى الفائضة، أو استهلكتهم القضايا الهامشية، حتى غرقوا في الجدل العقيم واللهاث خلف كل حدث عابر، وأصبحت مجالسهم الافتراضية لا تختلف كثيرا عن أحاديث المقاهي والدكاكين.

إن الدعوة لا تحتاج دائما إلى إمكانات ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى وضوح رسالة، واستمرار في الأداء، وإخلاص في البلاغ. ومن المؤلم أن نجد أصحاب الرسالات أقل حضورا من أصحاب التجارة، مع أن كلا الفريقين يسوق لقضيته، لكن الفرق أن أولئك عرفوا ما يريدون، بينما شُغل كثير من أهل الدعوة بما لا يقدّم ولا يؤخر.

ويبقى من الإنصاف أن نقول: إن هذا النقد لا يشمل الجميع، فما زال في الأمة دعاة مخلصون، جعلوا حياتهم وقفا على تبليغ العلم والدعوة إلى الله، وبذلوا أوقاتهم وجهودهم في نفع الناس، فكان لهم أثر مبارك ظاهر. وإنما الحديث عن ظاهرة تستحق المراجعة، لعلها تكون باعثا على تصحيح المسار، وتجديد الشعور بعظمة الرسالة التي يحملها الداعية. ومن ثم إدراك العمر قبل فواته بدون عمل دعوي أو تسجيل بصمة يبريء المرء بها نفسه أمام الله وأمام التاريخ والحياة..

إن مواقع التواصل فرصة كبيرة جداً جداً جداً لنشر الخير وبث الدعوة ومكافحة الباطل ونشر محاسن الإسلام وهداية الناس..


*أبو زين الوليدي*