آخر تحديث :السبت-27 يونيو 2026-12:24م
أخبار وتقارير

هل حان وقت عودة صقور الشرعية؟.. لماذا تحتاج المرحلة المقبلة إلى قيادات سياسية تمتلك الخبرة والقرار؟

السبت - 27 يونيو 2026 - 11:27 ص بتوقيت عدن
هل حان وقت عودة صقور الشرعية؟.. لماذا تحتاج المرحلة المقبلة إلى قيادات سياسية تمتلك الخبرة والقرار؟
المصدر: عدن الغد: خاص

منذ اندلاع الحرب في اليمن، شهد معسكر الشرعية تغيرات متلاحقة أطاحت بعدد كبير من القيادات السياسية التي كانت تتصدر المشهد، سواء عبر قرارات إبعاد، أو نتيجة خلافات سياسية، أو بفعل ترتيبات فرضتها طبيعة المرحلة. وخلال السنوات الماضية، ظهرت قوى جديدة ووجوه جديدة، لكن النتيجة النهائية بعد أكثر من عقد من الحرب تفرض سؤالاً مشروعاً: هل نجحت هذه التغييرات في بناء دولة أكثر قوة، أم أنها ساهمت في إضعاف مركز القرار وتفكيك الخبرة السياسية التي كانت تمتلكها مؤسسات الشرعية؟

هذا السؤال يكتسب أهميته اليوم في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية، وفي ظل إدراك متزايد بأن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة إدارة حرب فقط، بل مرحلة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وهي مهمة تختلف تماماً عن إدارة الصراع العسكري، وتحتاج إلى رجال دولة قبل أن تحتاج إلى شخصيات تتقن إدارة الأزمات اليومية.

لقد دفعت الشرعية خلال السنوات الماضية ثمناً سياسياً باهظاً نتيجة خروج عدد من أبرز قياداتها من المشهد. شخصيات مثل أحمد عبيد بن دغر، وأحمد الميسري، وغيرهما من القيادات التي امتلكت خبرة طويلة في إدارة مؤسسات الدولة، وجدت نفسها خارج دائرة القرار في وقت كانت فيه الدولة أحوج ما تكون إلى تراكم الخبرة لا إلى استنزافها.

ولا يتعلق الأمر هنا بتقديس الأشخاص أو الادعاء بأنهم كانوا معصومين من الأخطاء، فكل تجربة سياسية تخضع للنقد والتقييم، لكن الفارق كبير بين تقييم الأداء وبين خسارة الخبرة. فالدول التي تواجه أزمات وجودية لا تتعامل مع كوادرها بمنطق الإقصاء، وإنما بمنطق إعادة التوظيف والاستفادة من التجارب، لأن بناء المؤسسات يحتاج إلى تراكم معرفي وإداري لا يمكن تعويضه بسهولة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إدارة الدولة لا يمكن أن تعتمد على الولاء وحده، ولا على الشعبية الإعلامية، ولا على النفوذ العسكري بمعزل عن الخبرة السياسية والإدارية. فالقرارات الكبرى المتعلقة بالاقتصاد، والعلاقات الخارجية، وإعادة بناء المؤسسات، وإدارة المحافظات، واحتواء الأزمات، تحتاج إلى شخصيات تمتلك تجربة عملية في إدارة الدولة، وتعرف كيف تتعامل مع تعقيدات المشهد اليمني، وتشابكاته الداخلية والإقليمية.

كما أن كثيراً من القيادات التي خرجت من المشهد لا تزال تمتلك حضوراً سياسياً واجتماعياً واسعاً، وعلاقات ممتدة مع القوى المحلية والقبلية والحزبية، فضلاً عن خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة في العمل الحكومي. وهذه عناصر لا يمكن تجاهلها إذا كان الهدف الحقيقي هو استعادة مؤسسات الدولة وليس مجرد الحفاظ على توازنات سياسية مؤقتة.

ومن زاوية المصالح الإقليمية، فإن المملكة العربية السعودية، باعتبارها الداعم الرئيس للحكومة اليمنية وصاحبة الدور الأكثر تأثيراً في الملف اليمني، لديها مصلحة مباشرة في وجود شريك يمني يمتلك القدرة على إدارة الدولة بكفاءة. فاستقرار اليمن لا يتحقق فقط بالدعم العسكري أو الاقتصادي، وإنما أيضاً بوجود قيادة سياسية قوية، قادرة على اتخاذ القرار، وإدارة مؤسسات الدولة، والتواصل مع مختلف القوى اليمنية، وامتلاك رؤية واضحة لمستقبل البلاد.

لقد أثبتت التجارب في العديد من الدول أن فترات إعادة بناء الدولة غالباً ما تعتمد على استعادة الخبرات السياسية والإدارية التي تم تهميشها خلال مراحل الصراع، لأن الدولة تحتاج إلى رجال يعرفون كيف تُدار الوزارات، وكيف تُبنى المؤسسات، وكيف تُدار الملفات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية في آن واحد.

كما أن إعادة هذه القيادات لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عودة للماضي، بل استثماراً في الخبرة الوطنية. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج التجارب السابقة كما هي، وإنما الاستفادة من عناصر القوة فيها، وتصحيح ما شابها من أخطاء، ضمن مشروع سياسي جديد يقوم على الشراكة والكفاءة وسيادة القانون.

إن أي مرحلة انتقالية مقبلة ستفرض تحديات هائلة، تبدأ بإعادة توحيد مؤسسات الدولة، وإصلاح الاقتصاد، واستعادة الثقة بالمؤسسات، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة بناء العلاقات مع المجتمع الدولي، وهي ملفات تحتاج إلى قيادات تمتلك القدرة على التفاوض، واتخاذ القرار، وإدارة المؤسسات، والتعامل مع الضغوط الداخلية والخارجية.

كما أن توسيع دائرة القيادة داخل الشرعية سيمنحها زخماً سياسياً أكبر، ويبعث برسالة مفادها أن الدولة تستوعب جميع كفاءاتها، ولا تقوم على الإقصاء، وهو ما قد يسهم في تعزيز الثقة الشعبية بها، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة التحديات المقبلة.

إن الحديث عن عودة شخصيات مثل أحمد عبيد بن دغر، وأحمد الميسري، وغيرهما من القيادات التي ابتعدت عن المشهد، لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية الأشخاص، بل من زاوية الحاجة إلى استعادة الخبرة السياسية التي افتقدتها مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية. فالدول لا تُقاس بعدد الوجوه الجديدة، وإنما بقدرتها على توظيف أفضل كوادرها في المكان المناسب.

وفي نهاية المطاف، فإن اليمن يقف اليوم أمام منعطف قد يكون من أخطر المنعطفات منذ بداية الحرب. وإذا كانت المرحلة الماضية قد فرضت أولوياتها، فإن المرحلة المقبلة ستفرض أولويات مختلفة، عنوانها بناء الدولة لا إدارة الأزمة، وإحياء المؤسسات لا الاكتفاء بتسييرها، وصناعة القرار لا مجرد التعايش مع الوقائع.

ولذلك، فإن أي رؤية جادة للمستقبل يجب أن تنطلق من مبدأ بسيط، وهو أن استعادة الدولة تبدأ باستعادة العقل السياسي الذي يديرها، والاستفادة من جميع القيادات الوطنية التي تمتلك الخبرة والكفاءة، بعيداً عن منطق الإقصاء، لأن الدول التي تستبعد أصحاب الخبرة في لحظات التحول الكبرى، تدفع غالباً ثمناً أكبر بكثير من كلفة إعادتهم إلى المشهد.