عندما شاهدت صورة أحد المواطنين في تعز، متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وهو يقف وسط أنقاض منزله، قلت في نفسي هذه ليست غزة، وهذا ليس فلسطينيا يبحث عن أسرته تحت الركام. هذه تعز مدينة يمنية أنهكتها الحرب، وهذا إنسان يمني ينبش الحطام بيديه العاريتين، بحثا عن أسرته التي باغتها الموت، بعدما تحوّل منزلها إلى ركام إثر سقوط صاروخ أطلقتها جماعة الحوثي، وفقا للمعلومات المتداولة عن الحادثة التي شهدتها المدينة صباح الثلاثاء الماضي.
كان أفراد الأسرة مجتمعين حول مائدة الغداء، في لحظة يفترض أن تجمع الأحبة على دفء البيت، فإذا بالموت يقتحم المكان، ويمزّق سكونه، ويترك خلفه مشهدًا موجعا من الفقد والدمار.
يا لقسوة هذا الصباح، ويا لفداحة أن يتحول بيت كان عامرًا بالحياة إلى ركام، وأن يصبح البحث عن الأحبة بين الأنقاض آخر ما تبقّى لأهلهم من أمل !
ذلك المنزل الذي بُني في ستينيات القرن الماضي، صمد لعقود أمام تقلبات الزمن والاضطرابات والحروب. تعاقبت تحت سقفه أجيال، وحفظت جدرانه حكايات العمر وذكريات الأسرة. لكنه، في لحظة واحدة، تحول إلى أنقاض، وتبددت معه أحلام أناس لم يكونوا ينتظرون سوى يوم عادي يجمعهم حول مائدة واحدة.
وبحسب المعلومات المتداولة، كان المنزل يقع في حي سكني، ولم يكن موقعا عسكريا. وهو ما يستدعي تحقيقا جادا ومستقلا لكشف ملابسات القصف، وتحديد المسؤوليات، وضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاك.
هنا، في تعز، لا يقلّ الموت وجعا، ولا يصبح الدم أقل حرمة، ولا تفقد الدموع قيمتها لأن أصحابها يمنيون.
إلى بعض إخوتنا العرب الذين يتعاطفون مع جماعة الحوثي أو يجدون لها الأعذار، يفرض المشهد سؤالا أخلاقيا لا يجوز تجاهله: كيف نتألم لمشاهد الدمار في غزة، ثم لا تمنحنا مآسي تعز الوجع الإنساني نفسه؟ وكيف تهزّنا صورة طفل فلسطيني تحت الأنقاض، بينما لا تحظى صورة الطفل اليمني الذي يواجه المصير ذاته بالاهتمام نفسه؟
أليست الإنسانية واحدة؟ أليس الطفل طفلا، والأم أما، والبيت بيتا، والفقد فاجعة لا تتغيّر حقيقتها باختلاف هوية الضحية أو الجهة المسؤولة عن مأساتها؟
إن التعاطف مع الشعب الفلسطيني وحقه في الحياة والحرية والكرامة موقف إنساني أصيل، لا ينتقص منه أحد. لكن الدفاع عن قضية عادلة لا ينبغي أن يتحوّل إلى مبرر للصمت عن معاناة الآخرين، كما لا يجوز أن تصبح الشعارات السياسية غطاءً لتبرير الانتهاكات أو التقليل من آلام الضحايا.
ففلسطين ليست مبررا للصمت عن دماء اليمنيين، ونصرة المظلوم لا تكتمل بإنصاف ضحايا وتجاهل آخرين.
لسنا هنا لنقارن بين غزة وتعز، ولا لنضع الضحايا في ميزان الأعداد، ولا لننافس شعبا في حجم مأساته. فالموت ليس مسابقة، والوجع ليس حكرا على وطن دون آخر. كل ما نطالب به أن يحظى الإنسان اليمني بالقيمة الإنسانية ذاتها، وأن تُدان الانتهاكات بمعيار واحد، وألّا تُمنح أي جهة حصانة أخلاقية بسبب الشعارات التي ترفعها أو المواقف السياسية التي تتبناها.
انظروا إلى ذلك الركام، وتخيّلوا أن أسماء أبنائكم وإخوتكم وآبائكم هي التي ينادي بها الرجل الواقف وسط الحطام. تخيّلوا أنكم تنتظرون صوتا من تحت الأنقاض، أو تبحثون عن يد تعرفونها بين الحجارة، أو تعودون إلى بيت لم يعد فيه باب يُطرق، ولا نافذة يطلّ منها الأحبة.
عندها ستدركون أن المأساة لا تحتاج إلى جنسية بعينها كي تستحق التعاطف، وأن دموع الأمهات لا تختلف باختلاف الأوطان، وأن فقدان الإنسان لأسرته لا يصبح أقل فداحة لأن الضحايا يعيشون في اليمن.
إن تعز لا تطلب من أحد أن ينحاز إليها ضد غزة؛ بل تطلب ألّا تُترك وحيدة في مواجهة مأساتها، وألّا تتحوّل دماء أبنائها إلى خبر عابر، وألّا يكون اختلاف المواقف السياسية سببا في تجاهل معاناتهم أو تبرير ما يتعرضون له.
غزة تستحق الحياة، وتعز تستحق الحياة، وكل بيت يُهدم على ساكنيه جرح في ضمير الإنسانية.
ومن يدافع عن حق الفلسطيني في الحياة، لا ينبغي أن يصمت عن حق اليمني فيها. ومن يرفض استهداف المدنيين في غزة، عليه أن يرفضه في تعز وسائر المدن اليمنية. فالمبادئ الحقيقية لا تتبدّل بتبدّل هوية القاتل والقتيل، والعدالة لا تستقيم بمعيارين.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا الركام: بأي ذنب يدفع هؤلاء ثمن الحرب؟ وكيف يمكن الدفاع عن المظلوم في مكان، ثم تجاهل مظلوميته في مكان آخر؟ وأي معنى للإنسانية إذا أصبح التعاطف خاضعا للانتماءات السياسية بدلا من حقوق الإنسان؟
إن دماء الأبرياء لا تعرف الحدود، والعدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية، والضمير الإنساني لا يكتمل إذا اختار من يستحق الحزن ومن يمكن تجاهل مأساته.
تعز ليست أقل وجعا من غزة، واليمني ليس أقل إنسانية من أي إنسان على هذه الأرض.
بقلم: المحامي الدكتور أسامة عبدالاله الأصبحي
رئيس شبكة محامون ضد الفساد
__________________