قبل أيام، وجهت رسالة إلى أبناء منطقتي المعدمين، الذين وجدوا أنفسهم تحت ضغط مليشيا الحوثي لإرسال أبنائهم إلى جبهات الموت، خدمةً لحرب لم يختاروها وأجندة لا علاقة لهم بها. لكن الرسالة اليوم يجب أن تكون أوسع، وأن تصل إلى كل أب وأم في اليمن: لا تسلّموا أبناءكم لمليشيا تجعل من الفقر باباً للتجنيد، ومن الطفولة وقوداً للمعارك، ومن الموت مشروعاً سياسياً.
في مديرية مقبنة غرب محافظة تعز، وتحديداً في مناطق وعزل، بينها ميراب وبني سيف ومجاعشة وملاحطة واقحوز وأخدوع الأعلى والأسفل وضمين الأعلى وغيرها، تصل شهادات محلية عن تعرض شباب لضغوط من أجل الالتحاق بمليشيا الحوثي، وعن آخرين جرى أخذهم بالقوة، وفق ما أُبلغت به من أبناء المنطقة. يقول أحدهم إن شقيقه وبعض أقاربه أُخذوا وأصبحوا مسلحين مع المليشيا، حتى باتت أسرهم تشعر بأنها مقيدة وخائفة من عواقب رفض الأوامر.
هذه الشهادات تكشف جانباً من واقع أوسع عرفه اليمنيون طوال سنوات الحرب، وتؤكد أن التجنيد لا يستهدف أبناء القيادات، بل يبحث عن الفقير والمحتاج والمحروم من التعليم والعمل، ويحوّل حاجته إلى وسيلة للسيطرة عليه.
الحوثي، الذي دمر التعليم وحوّل المدارس إلى ثكنات، يعرف جيداً كيف يستغل الفقر: بندقية، سلة إغاثة، أسطوانة غاز، وعد بمكانة اجتماعية، لكنها تنتهي حين يعود الشاب أو الطفل صندوقاً مغلقاً.
إن الخطاب الطائفي والأيديولوجي يرى أن طريقه تبدأ من المدرسة أو القرية أو المركز الصيفي، وتنتهي في المتراس، وللعلم تقارير حقوقية تؤكد الحوثي يستغل الظروف الاقتصادية، والضغط والتهديد، والخطف، والتعبئة الأيديولوجية، واستخدام المدارس والمراكز الصيفية، كلها أدوات للتجنيد.
الأخطر أن الضحية قد يكون طفلاً لا يتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره؛ لا يعرف معنى الحرب، ولا يدرك لماذا يحمل بندقية أكبر من جسده، ولا يفهم لماذا يُطلب منه أن يقتل أو يموت، لكنه يفهم شيئاً واحداً: أن أسرته فقيرة، وأن الحوثي وعده بالمال أو الغذاء أو المكانة.
وفي عام 2022، وقّعت الأمم المتحدة مع الحوثيين خطة عمل لإنهاء ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع، لكن الحوثي مستمر في تجنيد الأطفال، ولم يلتزم بنودها، بل يصر على إجبار أبناء الفقراء على حمل الكلاشينكوف والذهاب إلى الجبهة، بينما يعيش أبناء القيادات في مستويات مختلفة من الرفاهية والنفوذ.
إنها طبقية الحرب الحوثية: فقير يموت، وأسرة فقيرة تبكي، وطفل يعود جثة أو مصاباً أو معاقاً، بينما تبقى القيادات بعيدة عن الخطر، والأكثر إيلاماً أن الحوثي لا يكتفي بإرسال الشباب إلى الجبهات، بل يسعى إلى إعادة تشكيل وعي جيل كامل من خلال تحويل المدرسة إلى مساحة للتعبئة، والمركز الصيفي إلى محطة أيديولوجية، والشعارات إلى وسيلة لإقناع طفل بأن الموت فضيلة، وأن من يرفض القتال خائن.
والمرعب أيضاً أن الحوثي لا يكرّم من قُتل في صفوف مليشياته، بل يُجوّع أسرته ويُشرّد أطفالها. ولعلكم اطلعتم قبل أيام على تسجيلات وفيديوهات لمسلحين حوثيين وأبناء مسلحين قُتل آباؤهم أو إخوانهم، وهم يشكون من الجوع، ومع ذلك سخر منهم ما يُسمى بالقائم بأعمال حكومة الحوثي، محمد مفتاح، وطالبهم بالعمل من دون رواتب وعدم التشكي، وهددهم بالسجون، بل زجّ بالعشرات منهم فيها وعذّبهم.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة لكل أب وأم: ابنكم ليس رقماً في كشوفات المقاتلين، وليس مشروع موت جاهزاً للاستخدام خدمةً لأجندة إيران ومصالحها في المنطقة.
إلى الأمهات والإباء في يمننا الحبيب: إذا أعطاكم الحوثي بندقية، فلن يعطيكم حياة جديدة، وإذا وعدكم بالمال، فلن يعوضكم عن ابن مصيره أن يعود في صندوق، وإذا قال لكم إن ابنكم ذاهب للدفاع عن الوطن، فاسألوه أولاً: أين يذهب أبناء القيادات؟ ولماذا يتحمل أبناء الفقراء وحدهم كلفة هذه الحرب الإيرانية على تراب اليمن؟!
أقول لأبناء منطقتي، ولشباب اليمن جميعاً: إن كان الخيار بين مشقة البحث عن الرزق في محافظة آمنة وبين الذهاب إلى جبهة لا تعرفون لماذا تقاتلون فيها، فاختاروا الحياة، فالهروب من جبهة الموت ليس جبناً، بل حماية للنفس والأسرة والمستقبل.
يا أبناء اليمن: أمهاتكم لا يحتجن صوراً لجثامينكم، وآباؤكم لا يريدون نعوشاً ملفوفة بالشعارات، وأطفالكم وإخوتكم يريدونكم أحياء، واليمن نفسه يحتاجكم أحياء، لا أرقاماً جديدة في قوائم القتلى.
أما الحوثي، فعليه أن يدرك أن اليمنيين ليسوا خزانه البشري، وأن الفقر ليس تفويضاً بقتل الفقراء، وأن الطفل اليمني ليس ملكاً لمشروع سياسي أو أيديولوجي، وأن الجوع الذي يفرضه بالقوة من أجل إجبار المدنيين على القتال لن يؤدي إلا إلى ثورة تقتلعُه من جذوره وإلى الأبد.
لقد آن الأوان لأن يتحول ملف تجنيد الأطفال والشباب من أرقام متناثرة في التقارير إلى قضية وطنية كبرى، من خلال كشف شبكات التجنيد الحوثية، وحماية المدارس، ومنع استغلال الفقر، وتحرير الأطفال من المعسكرات، ومحاسبة المسؤولين عن الزج بهم في الحرب. فالذين يرسلون الأطفال إلى الموت لا يصنعون مستقبلاً لليمن؛ إنهم يسرقون المستقبل من اليمن نفسه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر قسوة: كم طفلاً يمنياً يجب أن يموت حتى يقتنع الحوثي أن اليمن ليس وقوداً لمصالح إيران وأهدافها التي ينفذها في اليمن؟ وكم أسرة يجب أن تفقد أبناءها قبل أن تتوقف هذه الماكينة عن ابتلاع الفقراء؟!