هناك أشخاص تسبقهم سيرتهم أينما ذهبوا، ويترك حسن خلقهم أثرا في نفوس من عرفوهم. كان فكري حسن المسبحي واحدا من هؤلاء؛ طيب السيرة، حسن الخلق، ملتزما بصلواته، قريبا من الناس، حتى إن كثيرا من الأمور تيسرت له بما تركه من انطباع طيب لدى من حوله.
لكن أكثر ما يختصر حكايته الأخيرة أنه ذهب إلى بيت من بيوت الله لأداء صلاة الجمعة..ذهب بقلب مطمئن..ولم يعد..!!!
تعرض للطعن داخل المسجد، لتنتهي حياته في مشهد موجع لا تزال تفاصيله تثقل قلوب أسرته ومحبيه
وهنا تكمن قسوة الحكاية..أن يتحول المكان الذي يفترض أن يكون عنوانا للسكينة والأمان إلى مسرح لجريمة، وأن يتحول يوم الجمعة إلى آخر يوم في حياة إنسان لم يذهب إلى مواجهة أو خصومة، وإنما ذهب لأداء الصلاة.
وفاة فكري خلقت حالة حزن عميقة في عدن، وأثارت تعاطفا كبيرا داخل المجتمع الصومالي.
ولأن الجريمة وقعت داخل مسجد وفي يوم الجمعة، ولأن الضحية مهندس عربي يعمل في مقديشو، فإن القضية تتجاوز حدود المأساة العائلية إلى أسئلة أكبر تتعلق بالأمن والثقة وصورة المدينة.
ومن هنا، تتقدم أسرة فكري بالشكر والتقدير إلى النائب العام للجمهورية، القاضي قاهر مصطفى، على توجيهه مذكرة رسمية إلى النائب العام في جمهورية الصومال بشأن قضية فقيدنا، وهي خطوة تعكس أهمية المتابعة الرسمية، وتؤكد أن حقوق المواطن اليمني تظل محل اهتمام عبر القنوات القانونية والرسمية.
كما نتقدم بالشكر والتقدير إلى سفير الجمهورية اليمنية لدى الصومال، الأستاذ فضل الحنق، على اهتمامه بمتابعة القضية ووقوفه إلى جانب الأسرة، ونأمل استمرار هذه المتابعة حتى الوصول إلى الحقيقة والعدالة.
ولا يمكن أن ننسى الشيخ شريف باعلوي، صاحب الشركة التي كان يعمل فيها فكري، على موقفه النبيل واهتمامه بالقضية ووقوفه إلى جانب الأسرة، فضلا عن تكليفه محاميا خاصًا لمتابعة القضية والترافع فيها.
هذه المواقف محل تقدير..لكنهامن ليست نهاية الطريق.
إنها بداية الطريق نحو العدالة...ومقديشو أمام اختبار حقيقي
مقديشو تمر بمرحلة من التنمية والحراك الاستثماري، وتسعى إلى بناء بيئة اقتصادية تستقطب الشركات ورؤوس الأموال والمشاريع.
وفي هذه البيئة يعمل عرب وأجانب، ويقيمون، ويستثمرون، ويضعون ثقتهم في المدينة ومستقبلها.
ولهذا فإن قضية فكري لا تخص أسرته وحدها.
حين يفقد عامل عربي حياته داخل مسجد وفي يوم الجمعة، فإن السؤال يصبح أكبر:
هل يشعر العامل الأجنبي بالأمان؟!!
هل تطمئن الشركات إلى حماية موظفيها؟!!
وهل تستطيع مقديشو أن تقدم نفسها كمدينة جاذبة للاستثمار بينما تظل مثل هذه الجريمة بلا حسم سريع وواضح؟
هذه ليست أسئلة عدائية بل هذه أسئلة واقع.
والاستثمار لا يعيش بالوعود وحدها وانما يحتاج إلى أمن، وقانون، وقضاء، وثقة.
ولهذا فإن التعامل مع قضية فكري بحزم وشفافية لا يمثل فقط انصافا لأسرة فقدت ابنها، بل يمثل رسالة إلى الشركات والمستثمرين والعاملين الأجانب بأن سلامتهم ليست تفصيلا هامشيا، وأن القانون لا يفرق بين مواطن وأجنبي عندما يتعلق الأمر بحماية الأرواح.
فلا تجعلوا دم فكري وقودا للخلاف السياسي
نحن نعلم أن هناك خلافات سياسية ممتدة بين مقديشو وصوماليلاند، والتوتر بين الجانبين يتجاوز أحيانا حدود السياسة إلى حملات إعلامية متبادلة.
وهنا يجب أن نكون أكثر حذرا.
مقتل فكري قد يُستغل سياسيا وإعلاميا، وقد يحاول البعض استخدامه للتشكيك في الوضع الأمني في مقديشو أو تقديم صورة سلبية عن العاصمة.
لكن دم فكري لا ينبغي أن يكون ورقة في أي صراع..ولا نريد اتهامات بلا دليل. ولا نريد تبريرات بلا تحقيق.
نريد الحقيقة.
من هو قاتل فكري محمد نوح حسين ؟
لماذا..وما دوافع الجريمة؟
وهل تكشف التحقيقات عن ملابسات أخرى؟!!
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الحملات الإعلامية، ولا التكهنات، ولا مواقع التواصل.
يجيب عنها التحقيق والقضاء.
القبض على المتهم ليس نهاية القضية
وإذا كانت السلطات الصومالية قد تمكنت من القبض على المتهم، فهذه لحظة وقوع الجريمة فهذه خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية القضية.
الخطوة التالية يجب أن تكون واضحة
تحقيق كامل، أدلة محفوظة، شهود يُستمع إليهم، دوافع تُكشف، ثم قضاء يقول كلمته.
والأهم: أن يحدث ذلك بسرعة.
لسنا أمام قضية تحتمل المماطلة.
كل يوم تأخير يفتح بابا جديدا للشائعات، ويضاعف ألم الأسرة، ويمنح أصحاب التفسيرات المسبقة فرصة للحديث باسم الحقيقة.
نحن نطالب بالقصاص العادل
أسرة فكري لا تبحث عن الانتقام.
إنها تبحث عن العدالة.
لكنها في الوقت نفسه متمسكة بحقها في القصاص العادل وفق الشرع والقانون.
ومن قتل إنسانا ذهب إلى بيت الله لأداء صلاة الجمعة، فعليه أن يواجه القضاء، وإذا ثبتت إدانته، فليأخذ القانون مجراه.
هذه ليست دعوة للانتقام انها مطالبة بحق وحق أسرة فقدت ابنها.
وحق إنسان خرج إلى الصلاة ولم يعد.
فكري عاد إلى عدن.. فهل تعود العدالة إلى مقديشو؟
عاد فكري إلى عدن جثمانا.
دُفن بين أهله ومحبيه.
لكن القضية لم تُدفن معه.
بقي السؤال حيا:
لماذا قُتل فكري؟!!
وبقيت أسرة تنتظر الحقيقة.
وبقيت مقديشو أمام اختبار لا تستطيع الكلمات تجاوزه.
فاذا أرادت مقديشو أن تطمئن المستثمر والعامل والزائر، وإذا أرادت أن تحمي صورتها كمدينة تتجه نحو التنمية والاستثمار، فإن أفضل رسالة يمكن أن تقدمها ليست بيانا إعلاميا ولا خطابا سياسيا.
بل عدالة واضحة.
تحقيق نزيه..ومحاكمة عادلة..وحكم ينفذ وفق القانون
فالقصاص العادل، حين يقرره القضاء، ليس انصافا لفكري وحده؛ بل رسالة بأن دم الإنسان ليس رخيصا، وأن أمن مقديشو ليس شعارا.
رحم الله فكري حسن المسبحي، وجبر قلب أسرته ومحبيه، وكشف الحقيقة، وأنصف دمه.
عاد فكري إلى عدن جثمانا.. أما حقه فما زال في مقديشو ينتظر العدالة.