آخر تحديث :الثلاثاء-22 سبتمبر 2026-07:49م

شعب يبيع صوته ثم يبكي على قضيته

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 03:58 م
محمد المسبحي


في عدن يكفي أن تنظر إلى وجه مواطن ينتظر ساعات أمام محل صرافة، أو يقف في طابور للحصول على أسطوانة غاز، أو يعود إلى بيته بعد يوم طويل ليجد الكهرباء قد انطفأت من جديد، لتدرك أن السياسة بالنسبة للناس لم تعد نقاشا عن الشعارات وانما أصبحت خبز وكهرباء وراتب وكرامة ومستقبل


ومع ذلك اسال نفسي كيف يصل شعب يعرف حجم معاناته إلى اللحظة التي يعيد فيها إنتاج الأسباب التي صنعت تلك المعاناة؟


المشكلة ليست أن الجنوبيين خرجوا للمطالبة بحقوقهم، ولا أن المواطن مارس حقه في الاختيار أو انحاز إلى قضية يؤمن بها. المشكلة تبدأ حين يتحول الانتماء السياسي من وسيلة للدفاع عن مصالح الناس إلى بديل عن الوطن، وحين يصبح الولاء للمكون أهم من السؤال عن حصيلة السنوات: ماذا تحقق؟ ومن دفع الثمن؟ ومن استفاد؟


كان الجنوب، كما عرفه كثيرون، مجتمعًا يعتز بالتعليم والثقافة والعمل المدني، لكن سنوات الحرب والانقسام والفقر أضعفت قدرة الناس على التمييز بين القضية ومن يتحدث باسمها. ومع الوقت، دخلت السياسة إلى تفاصيل الحياة اليومية، لا باعتبارها وسيلة لبناء الدولة، بل باعتبارها وسيلة لتوزيع النفوذ.


وهنا بدأت المأساة الحقيقية.. وليس كل من رفع شعار القضية الجنوبية قدّم لها شيئًا، ولا كل من تحدث باسم الناس كان حريصا على مصالحهم. القضية العادلة لا تمنح أحد شيكا مفتوحا، والسياسة لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة أخلاقية لمن يمارس الفشل أو الفساد..


فالمواطن لا يعيش في ظروف طبيعية تسمح له باختيار هادئ ومجرد. هناك حرب، وفقر، ومصالح متشابكة، وإعلام موجّه، ومناطقية، وشبكات نفوذ، واحتياجات يومية تجعل الإنسان أحيانا يبحث عن من يوفر له خدمة أو راتبا أو حماية، قبل أن يفكر في مشروع الدولة.


لذلك، فإن الحديث عن "جهل الشعب" وحده ليس كافيا، وربما يكون هروبا من المسؤولية الأكبر.


فالشعب قد يخطئ في الاختيار، لكن السياسي الذي يستغل حاجته وفقره وخوفه يتحمل مسؤولية أكبر.

المشكلة أيضا أن بعض القوى السياسية نجحت في تحويل النقد إلى خيانة، والمساءلة إلى خصومة، والمطالبة بالخدمات إلى مؤامرة، حتى أصبح المواطن مترددًا في السؤال: أين ذهبت الموارد؟ لماذا تتعطل الكهرباء؟ لماذا تتراجع قيمة العملة؟ لماذا لا يحصل الموظف على حقوقه؟ ومن المسؤول عن كل ذلك؟


وهكذا، بدل أن يكون المواطن رقيبًا على السلطة، أصبح أحيانا مدافعا عنها..وهذه أخطر نقطة يمكن أن يصل إليها أي مجتمع.


فالسلطة التي تخشى النقد يمكن إصلاحها، أما السلطة التي تجد من يدافع عن فشلها من بين ضحاياها، فمشكلتها أعمق.

لقد دفع الجنوب ثمنًا باهظا خلال السنوات الماضية. سقطت أرواح، وتهدمت مؤسسات، وتراجعت الخدمات، واتسعت مساحة الفقر، وهاجر كثيرون، بينما بقيت قضايا أساسية معلقة. ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي في كثير من الأحيان يطلب من المواطن الصبر، ويقدم له وعودا جديدة، ويحمّله مسؤولية الظروف التي لم يكن هو من صنعها.


لقد آن الأوان لتغيير السؤال.. وبدل أن نسأل: مع من أنت؟

يجب أن نسأل: ماذا فعل من أنت معه؟

بدل أن نسأل: هل أنت مع هذا المكون أم ذاك؟

يجب أن نسأل: ماذا قدم هذا المكون للناس؟ ماذا فعل في الكهرباء؟ ماذا فعل في التعليم والصحة؟ ماذا فعل في الاقتصاد؟ ماذا فعل في حماية المال العام؟ وماذا فعل لبناء مؤسسات تستطيع أن تستمر حتى بعد رحيل الأشخاص؟!!

هذه الأسئلة لا تستهدف طرفا بعينه، لأنها يجب أن تكون معيارا للجميع..فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تصرخ باسمه، بقدر ما يحتاج إلى دولة تحمي المواطن باسمه..ولا يحتاج إلى مكونات تتنافس على احتكار تمثيله، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات يشارك فيها الناس ويحاسبون القائمين عليها.


ولا يحتاج إلى زعماء جدد بالضرورة، بل إلى ثقافة سياسية جديدة تجعل المسؤول موظفًا عامًا لا زعيمًا فوق المساءلة.


والمسؤولية هنا تقع على الجميع: السياسي، والإعلامي، والمثقف، والناشط، والمواطن.


وعلى السياسي أن يدرك أن التفويض ليس ملكية خاصة.


وعلى الإعلامي ألا يتحول إلى بوق لأي طرف مقابل منفعة أو مصلحة.


وعلى المثقف أن يقول الحقيقة حتى عندما تكون غير مريحة لجمهوره.


وعلى المواطن أن يتعلم أن صوته ليس هتافا في مهرجان، ولا بطاقة ولاء لشخص أو مكون؛ إنه قرار يتعلق بمستقبل أولاده.


الصوت الذي يمنح بلا حساب قد يتحول غدا إلى فاتورة يدفعها الجميع.


والحل لا يبدأ بإدانة الناس، بل بإعادة بناء وعيهم السياسي. نحتاج إلى صحافة تسأل وتحقق، ومجتمع مدني يراقب، وبيانات مالية واضحة، ومؤسسات رقابية مستقلة، وانتخابات لا تقوم على شراء الولاءات، وخدمات تقاس بالأرقام لا بالخطب، ومسؤول يعرف أن بقاءه في موقعه مرتبط بما ينجزه لا بعدد من يهتفون باسمه.


نحتاج أيضا إلى أن نتوقف عن تقديس الأشخاص والمكونات.


فالسياسي ليس قضية، والمكون ليس وطنًا، والحزب ليس هوية المواطن، ومن يخطئ يجب أن يُنتقد مهما كان اسمه وموقعه وانتماؤه.


القضية التي لا تسمح لأبنائها بمساءلة من يتحدث باسمها تتحول مع الوقت من مشروع وطن إلى مشروع سلطة.


ليس المطلوب أن يتخلى الجنوبي عن قضيته، بل العكس تمامًا؛ المطلوب أن يحمي قضيته من الذين يستخدمونها للوصول إلى السلطة ثم يطلبون من الناس الصمت باسمها.


فالجنوب الذي يريد مستقبلًا مختلفًا يحتاج أولًا إلى مواطن مختلف: مواطن لا يبيع صوته، ولا يمنح ثقته إلى الأبد، ولا يعتبر النقد خيانة، ولا يسمح لأي مكون بأن يصادر عقله، ولا ينتظر من أحد أن ينقذه من النتائج التي ساهم في صنعها.


وفي النهاية، ليست المشكلة أن الشعب اختار مرة وأخطأ، فكل الشعوب تخطئ.


المشكلة أن يتحول الخطأ إلى ولاء، والولاء إلى تبرير، والتبرير إلى عادة، ثم نجلس بعد سنوات أمام الخراب نسأل: من فعل بنا كل هذا؟


وحين يكتب الشعب مستقبله بيده، فلن تنفعه كثرة الشكوى إذا اكتشف لاحقًا أن القلم كان في يده منذ البداية.