تطفو على سطح المشهد السياسي اليمني مجدداً أسئلة المصير والتحالفات، وفي صدارتها طبيعة العلاقة المعقدة بين قطبي السياسة اليمنية التاريخيين: "التجمع اليمني للإصلاح" و"المؤتمر الشعبي العام".
بين رهانات التقارب وفرضيات القطيعة، ينقسم الشارع والمراقبون للشأن المحلي حول قدرة هذين المكونين على تجاوز رواسب الماضي والتوحد لمواجهة تحديات الراهن.
فبينما يرى فريق من الساسة والمحللين أن حجم المشتركات الوطنية والتهديدات الوجودية التي تحيط بالجميع كفيل بمد جسور التفاهم وبناء تحالف صلب ينقذ البلاد إذا ما أُحسنت إدارة الخلافات، يعتقد فريق آخر من المراقبين الداخليين أن الحديث عن وحدة سياسية بين الطرفين ليس سوى نوع من الشطط السياسي، نظراً لاختلاف "المرجعيات والأولويات" التي تحرك كل طرف منهما.
*خماسية المبادئ مقابل خماسية الشخوص*
تتلخص الفجوة الكبيرة بين الطرفين - وفق رؤية نقدية تتبنى هذا الموقف - في فارق جوهري يتعلق بـ "سُلم الأولويات والقضايا الخمس" التي يبني عليها كل طرف أدبياته وتحركاته الميدانية:
تتجسد قضايا الإصلاح الخمس في ثوابت وطنية جامعة ومجردة:
*الثورة:*
بوصفها نقطة التحول والكرامة الوطنية.
*الجمهورية:*
كخيار نضالي ونظام سياسي لا مناص منه.
*الوحدة:*
باعتبارها المكتسب والمصير المشترك.
*الوطن:*
كجغرافيا وكيان وسيادة.
*الشعب:*
بصفته مصدر السلطات وغايتها الأولى.
في المقابل، يرى النقاد أن قضايا المؤتمر الخمس ظلّت محصورة في "رموز الإرث العائلي والسياسي"، وتدور حول خمسة أسماء محورية:
*علي عبد الله صالح* (رمزية الزعامة والماضي).
*أحمد علي* (امتداد القيادة والشرعية العائلية).
*طارق محمد عبد الله صالح.* (الذراع العسكري والميداني).
*عمار محمد عبد الله صالح.* (الملف الأمني والاستخباري).
*علي أحمد علي* (جيل المستقبل والوراثة السياسية).
*هل الخلاف في الأهداف أم في آليات الإدارة؟*
أمام هذا التباين الحاد في قراءة القواعد والمحركات، تبرز قراءة ثالثة أكثر توازناً ترى أن الصورة ليست بهذا القدر من التناقض المطلق؛ إذ يُصرّ أصحاب هذا الطرح على أن قواعد المؤتمر الشعبي العام وقياداته الوطنية تتشارك فعلياً مع الإصلاح في القضايا الوطنية الخمس ذاتها - (الثورة، الجمهورية، الوحدة، الوطن، والشعب) - وأن جذور الخلاف الحقيقي لا تكمن في "الغاية والهدف"، بل في "الوسائل وكيفية إدارة هذه الملفات".
فبينما يميل الإصلاح إلى الخطاب الثوري والمؤسسي القائم على التحشيد والحزبية الأيديولوجية، يتجه المؤتمر نحو البراغماتية السياسية والإدارة القائمة على النفوذ والعلاقات والتوازنات الاجتماعية، وهو ما جعل الصراع بينهما - عبر العقود الماضية - صراعاً على الأدوات وإدارة السلطة، وليس بالضرورة اختلافاً على وجود الدولة والجمهورية ذاتها.
*الرهان القادم.*
بين خماسية "المبادئ الوطنية" وخماسية "الرموز السياسية"، يظل الشارع اليمني ينتظر نضجاً سياسياً يعيد ترتيب الأولويات؛ فهل تنجح القواعد الشعبية والوطنية داخل الحزبين في غلبة "المشترك الوطني الجامع" على "المصالح الحزبية والشخصية الضيقة"، أم أن تاريخاً طويلاً من التنافس وسوء التفاهم سيظل حائلاً دون قيام كتلة تاريخية تقود البلاد نحو البر الآمن؟