في رحلة الحياة الباحثة عن كُنْهِ الإنسان وصياغة وعيه، تجدُنا أمام محطاتٍ مفصليةٍ لا تصنع شخصيةَ المرءِ فحسب، بل تُعرّي جوهرَه وتكشفُ عما يفيَض خلفَ ملامحه.
إنها خماسيةٌ الذات الانسانية يتداخل فيها الفكرُ بالعاطفة، والسلوكُ بالإبداع، لترسمَ الصورةَ الحقيقية للإنسان كما ينبغي أن يكون.
أولاً: آدابُ الاختلاف..
(حين تُفصِحُ عن معدِنِك)
ليس الاختبارُ الحقيقيُّ في أن نتفق، بل في كيفية تعاملنا عندما نختلف.
حين أختلفُ معك في فكرٍ أو رؤيةٍ أو منهج، وتكون أنت أصلَبَ عُوداً أو أكثرَ أتباعاً في السوشال ميديا، كيف تتصرف؟
هنا بالتحديد تفصحُ عن حقيقةِ نفسك.
وما أروعَ ما أُثِرَ عن الإمام الشافعي حين قال: "ألا يستقيمُ أن نكونَ إخواناً وإن لم نَتَّفِقْ في مسألة؟!
فالاختلافُ الصادقُ لا يُفسِدُ للودِّ قضية، ولا ينبغي أن يَهدمَ جسورَ الصداقة.
ثانياً: القراءةُ المتأملة..
(عمقُ التدبُّر لا عجلةُ السطور)
في عصرِ السرعةِ والسطحية، لن تصنعَ الإنسانَ قراءةٌ خاطفةٌ تَمُرُّ على الكلماتِ مرورَ الكرام. فالإنسانُ الحقيقيُّ تصنعُه القراءةُ البطيئةُ المتمعِّنة، القراءةُ التي تقومُ على التدبُّر والتأمل وإعمال العقل.
إن الغوصَ في أعماق المعاني هو ما يبني الوعي ويشكلُ الهوية، وليست العبرةُ بكمية ما نقرأ، بل بما يُحدثُه المكتوبُ في أرواحنا وعقولنا من أثر.
ثالثاً: حقُّ السائل..
(احترامُ الفضولِ المعرفي)
إنّ النهيَ في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ لا يقتصرُ على سائل المال (المحتاج) فحسب، بل يمتدُّ ليشملَ مطلقَ السائل عن العلم والمعرفة، كما أوضحَ العلامةُ ابنُ عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير". لا يُقبلُ أن تُسَفَّهَ أسئلةُ الآخرين أو تُنعتَ السائل بالغباء والتفاهة.
ولعلّي أستحضرُ في بدايةِ حياتي حين سألتُ أحدهم في مجلس: "كيف شكلُ الشيطان؟"، فما كان منه إلا أن سَخِرَ مني وقال: "انظر في المرآةِ تعرفه!". إن قمعَ السائلِ ونهره يقتلُ شغفَ الاستكشاف، بينما يكمن الرُّقِيُّ في احتواءِ الفضول البشري وتهذيبه.
رابعاً: العاداتُ اليومية:
(بصمتُك الخاصة)
انظر إلى تفاصيل يومك: ما هي عاداتُك الثابتة التي تسكنُها و تسكنُك؟
بالنسبة لي: قهوةُ الصباحِ الهادئة، صلاةُ الضحى، ثم الانذلاق الى ديمومة الحياث.. تلك الطقوسُ الصغيرة التي لا تتخلى عنها مهما تغيرت الظروف.
هذه العاداتُ ليست مجردَ أفعالٍ روتينية، بل هي انعكاسٌ مباشرٌ لشخصيتك وبصمتك الخاصة في الحياة. أنتَ – في جوهرك – لستَ سوى انعكاس لهذه العاداتِ التي تصنعُ يومك وتُحدِّدُ ملامحَ روحك.
خامساً: "الأنا" المبدعة:
(بين الثقة والانكفاء)
حَدَّثونا كثيراً عن الزهدِ حتى كادوا يُبَغِّضون إلينا الطموح والاعتزاز بالنفس، وجعلوا البعضَ يظنُّ أن المساكينَ هم أصحابُ الجنةِ وحدَهم، وكأن المبدعين والواثقين من أنفسهم عُرضَةٌ للعقاب.!!
لكنّ "الأنا" التي نعنيها هنا ليست الأنانيةَ المقيتةَ ولا المؤذيةَ النرجسية، بل هي الأنا المبدعةُ الثابتةُ الواثقة التي تمتلكُ أدواتِ النجاح وتعلنُ عن قدراتها بخدمة الخير.
ألم يقل نبيُّ الله يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
لقد نادى بتمكينه لأنه يعلمُ يقيناً أنه يملكُ الكفاءة والأمانة.
المشكلةُ لم تكن يوماً في اعتزاز المرءِ بإبداعه وطاقاته، بل في الأنا المؤذية التي تتطاولُ على حقوق الآخرين.
ختاماً:
(جوهرُ الفكرة في شطرِ بيت)
إذا كان سقراطُ قد أطلقَ صيحتَه الشهيرة: "تكلّم حتى أراك"، فقد جاءَ المتنبي ليختصرَ فلسفةَ التعامل مع البشر وخصالَهم الخمسَ في بيتٍ واحد يختزلُ كلَّ شىء، قائلاً:
*أصَادِقُ نَفْسَ المَرْءِ قَبْلَ جِسْمِهِ ... وأَعْرِفُهُ فِي فِعْلِهِ وَالتَّكَلُّمِ*
فالمظهرُ والشكلُ لا يعنيانِ شيئاً، إنما العبرةُ بالنفسِ والسلوكِ والمنطق؛ فهناك – وهناك فقط – يُصنعُ الإنسان..