آخر تحديث :الإثنين-24 أغسطس 2026-09:58م

الدستور الغائب .. كيف أسست الحضارة الإسلامية أرقى عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم؟!

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 08:50 ص
منصور بلعيدي


في زمن تُستلب فيه الحقوق وتُصادر فيه حريات الشعوب تحت وطأة الاستبداد أو الخوف، تتجلى الحاجة ماسّة للإصلاح السياسي والعودة إلى الجذور؛ لمراجعة المبادئ التي قامت عليها دولة العدل في التاريخ الإسلامي.

إن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الفلسفة الإسلامية لم تكن يوماً علاقة "سيد ومسود"، بل هي عقد اجتماعي وتخادمي واضح المعالم، يُبنى على الحقوق المتبادلة والمساءلة الشجاعة، لا مكان فيه للتأليه أوالفراعنة..

وفيها شجاعة الرعية حياةٌ للحاكم.

يُروى أن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صعد المنبر ذات جمعة وقال: "يا أيها الناس، إن المال مالنا والفيء فيئنا، فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا حرمناه".

فسكت الناس في الجمعة الأولى، ثم أعادها في الثانية فسكتوا، فلما كانت الجمعة الثالثة وقرر تكرار المقالة، قام إليه رجل من عامة المسلمين شاهراً موقفه لا يخشى في الحق لومة لائم، وقال: "كلا والله! إنما المال مالنا والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا".


نزل معاوية وأرسل في طلب الرجل، حتى ظنّ الناس أن الرجل قد هلك ، لكنهم حين دخلوا مجلس الخليفة، وجدوا الأعرابي يجلس معه على سرير الخلافة، ليطلق معاوية شهادته التاريخية: "إن هذا الرجل أحياني أحياه الله!"؛

ثم أردف موضحاً أنه سمع النبي ﷺ يحذر من أمراء يقولون فلا يُرَدّ عليهم، فيتقاحمون في النار.


لقد أدرك الخليفة أن سكوت الرعية عن الحق هلكة للحاكم والمحكوم معاً، وأن المحاسبة الشعبية هي الصمام الذي يحمي الأمة من السقوط في هاوية الاستبداد.

ولم تكن هذه الحادثة نشازاً في سيرة الحكم الرشيد؛ ففي عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تجلت أبهى صور "دولة القانون" التي تفصل تماماً بين المشاعر الشخصية والحقوق المكفولة، فسيادة القانون فوق العواطف.

لقي عمرُ أبا مريم الحنفي، وهو قاتل أخيه أحب الناس إليه "زيد بن الخطاب" ودار بينهما حوار صريح قال فيه عمر بمرارة البشرية: "اغرب عن وجهي، فإني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم".

لم ينكسر أبو مريم ولم يخَف، بل سأل بمنطق المواطن المستوعب لحقوقه: "أفيمنعني هذا من حقي؟"، قال عمر: "لا". قال: "أفيحل هذا جَلد ظهري؟"، قال عمر: "لا".

فما كان من أبو مريم إلا أن قال كلمته الشهيرة بكل ثقة: "مالي ولحبك! إنما يبكي على الحب النساء".

لقد وضع عمر بهذا الموقف قاعدة دستورية صلبة: العدل لا يتأثر بالبغض، والمواطنة كفالة شاملة للحقوق بغض النظر عن المشاعر.

*تقويم الاعوجاج.. الدستور الذهبي.*

إن اللبنة الأولى لهذا العقد الاجتماعي وضعها عمر بن الخطاب لحظة توليه الخلافة حين خطب قائلاً: "أيها الناس، إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم.. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".

وعندما تساءل عمر مستخبراً عن مدى جدية هذا التقويم: "ماذا تقولون لو ملت برأسي عن الحق هكذا؟" فأجابه رجل من عامة المسلمين: "لو ملت برأسك عن الحق لقومناك بالسيف!".

لم يغضب أمير المؤمنين، ولم يرمِ الرجل خلف الشمس، ولم يجهز عليه بتهمة التطاول على مقام الخلافة، بل رفع يديه حامداً الله قائلاً : "الحمد لله الذي أوجد في المسلمين من يقومني بالسيف إذا اعوججت".


إن هذه النماذج الخالدة تؤكد أن العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام تقوم على مبادئ أساسية:

1-*التخادم والمسؤولية:

الحاكم أجير لدى الأمة لخدمتها وإقامة العدل، وليس سيداً يملك رقابها.

2-*التوازن الحقوقي:

للرعية حقوق واجبة الأداء، وعلى الحاكم واجبات يُسائل عنها، فلا رفيع ولا وضيع أمام الشرع والقانون.

3-*حرية التعبير والرقابة الشعبية:

الرعية الشجاعة التي تنطق بالحق هي الحارس الأول لسلامة الدولة والحاكم على حد سواء.

إن المقولة العمرية الشجاعة (الحمد لله الذي اوجد في المسلمين من يقومني بالسيف ادا اعوججت) هي العقد الاجتماعي الأصيل الذي سبقت به الحضارة الإسلامية أرقى الدساتير الحديثة.

واليوم، ونحن نعيش محاولات متكررة لصياغة عقود اجتماعية جديدة لمجتمعاتنا، ألم يأنَ لنا أن نستثمر هذا الموروث العظيم لبناء دولة الحق، والعدالة، والمواطنة المتساوية؟