في كل عام دراسي يتكرر المشهد ذاته، لكن بصورة أكثر قسوة. آباء وأمهات يقفون أمام أبواب المدارس الأهلية حاملين همًّا أثقل من حقائب أبنائهم، يتساءلون بقلق: كيف سندفع الرسوم هذا العام؟ ومن أين سنأتي بالمبالغ الجديدة التي ارتفعت دون سابق إنذار؟ وبينما تتسع دائرة الفقر وتتراجع القدرة الشرائية للمواطن، تبدو المدارس الأهلية وكأنها تعيش في عالم آخر، ترفع الرسوم كيفما تشاء، وتفرض التزامات مالية متزايدة، في ظل غياب شبه كامل لدور الجهات الحكومية الرقابية.
لم يعد التعليم في مناطق الحكومة الشرعية مجرد خدمة أساسية، بل تحول بالنسبة لآلاف الأسر إلى معركة سنوية تستنزف الدخل المحدود، وتضع الآباء أمام خيارات قاسية؛ إما الاستدانة، أو بيع ما يملكون، أو حرمان أبنائهم من مواصلة تعليمهم في مدارس يرون أنها توفر مستوى أفضل من كثير من المدارس الحكومية التي تعاني من أزمات متراكمة.
ولأن التعليم الحكومي يعاني من ضعف الإمكانات، وانقطاع المرتبات في بعض المناطق، ونقص الكوادر، وتراجع البيئة التعليمية، وجدت آلاف الأسر نفسها مضطرة للجوء إلى المدارس الأهلية، ليس باعتبارها رفاهية، وإنما كخيار اضطراري. غير أن هذا الخيار تحول مع مرور الوقت إلى عبء مالي خانق، بعدما أصبحت الرسوم الدراسية ترتفع عامًا بعد آخر دون وجود معايير واضحة أو ضوابط معلنة.
وتشتكي أسر كثيرة من أن الرسوم لم تعد تقتصر على القسط الدراسي فقط، بل تتشعب إلى رسوم تسجيل، ورسوم كتب، ورسوم أنشطة، ورسوم اختبارات، ورسوم زي مدرسي إلزامي، ورسوم نقل، ورسوم إلكترونية، ورسوم أخرى تظهر تباعًا خلال العام الدراسي، حتى يصبح المبلغ النهائي أضعاف ما أعلن عنه في بداية التسجيل.
الأكثر إثارة للقلق أن بعض المدارس ترفض تسليم الكتب أو السماح للطالب بدخول الاختبارات أو استلام نتائجه قبل سداد كامل الرسوم، ما يجعل الطالب نفسه ضحية لخلاف مالي لا ذنب له فيه، ويضع الأسرة تحت ضغط نفسي واجتماعي كبير.
وفي الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة انهيار العملة وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، تبدو بعض المدارس وكأنها غير معنية بالواقع الاقتصادي الذي يعيشه المجتمع. فالزيادات السنوية في الرسوم غالبًا ما تأتي دون أي توضيح أو إعلان عن مبرراتها، ولا توجد جهة رقابية تعلن للرأي العام كيف يتم احتساب هذه الرسوم أو ما إذا كانت متناسبة مع مستوى الخدمات المقدمة.
وتتزايد التساؤلات حول دور وزارات التربية والتعليم ومكاتبها في المحافظات الخاضعة للحكومة الشرعية. فأين الرقابة؟ وأين اللوائح المنظمة للتعليم الأهلي؟ ومن يراجع الرسوم قبل اعتمادها؟ ومن يحاسب المدارس التي تبالغ في فرض الأعباء المالية على أولياء الأمور؟
إن غياب الرقابة لا يضر الأسر وحدها، بل يضر أيضًا بالمدارس الأهلية الملتزمة التي تحاول الحفاظ على أسعار معقولة وجودة تعليم جيدة، إذ تجد نفسها في منافسة غير عادلة مع مدارس تفرض ما تشاء من رسوم دون مساءلة أو ضوابط.
ويؤكد مختصون في الشأن التربوي أن التعليم الأهلي يمثل شريكًا مهمًا في العملية التعليمية، لكن نجاح هذا القطاع يتطلب وجود رقابة حقيقية تضمن تحقيق التوازن بين حق المستثمر في تحقيق عائد معقول، وحق المواطن في الحصول على تعليم جيد بأسعار عادلة. فالتعليم ليس سلعة تجارية خالصة، بل رسالة ومسؤولية وطنية واجتماعية قبل أن يكون مشروعًا استثماريًا.
إن استمرار الفوضى في تحديد الرسوم يفتح الباب أمام تفاوت كبير بين المدارس، ويخلق حالة من الاحتقان المجتمعي، ويزيد من معاناة الأسر التي أصبحت تخصص معظم دخلها لتغطية تكاليف التعليم، على حساب احتياجات أساسية أخرى كالغذاء والعلاج والسكن.
كما أن ارتفاع الرسوم يدفع بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس الأهلية وإلحاقهم بمدارس حكومية مكتظة، أو حتى حرمان بعض الأطفال من التعليم مؤقتًا بسبب عدم القدرة على السداد، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على مستقبل جيل كامل.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون الحديث عن حماية أولياء الأمور من الاستغلال، ووضع سقوف وضوابط واضحة للرسوم الدراسية، وإلزام المدارس بالإعلان بشفافية عن جميع الرسوم منذ بداية العام، ومنع استحداث أي رسوم إضافية دون موافقة الجهات المختصة، إضافة إلى إنشاء آلية رسمية لتلقي شكاوى أولياء الأمور والتحقيق فيها بجدية.
إن مسؤولية الدولة لا تقتصر على إدارة المدارس الحكومية، بل تمتد أيضًا إلى تنظيم التعليم الأهلي والإشراف عليه، باعتباره جزءًا من المنظومة التعليمية الوطنية. فغياب الرقابة لا يعني فقط ترك المجال مفتوحًا لارتفاع الرسوم، بل يعني أيضًا التخلي عن مسؤولية حماية حق المواطن في التعليم.
لقد أصبح من الضروري أن تتحرك الجهات الحكومية بصورة عاجلة لمراجعة سياسات التعليم الأهلي، وإجراء تقييم شامل لواقع الرسوم الدراسية، وإصدار لوائح ملزمة تحقق العدالة والشفافية، وتوازن بين استدامة المؤسسات التعليمية وحماية الأسر من الأعباء غير المبررة.
فالتعليم ليس امتيازًا للأغنياء، ولا ينبغي أن يتحول إلى حلم بعيد المنال لأبناء الموظفين والعمال وأصحاب الدخل المحدود. وكل يوم تتأخر فيه الجهات المعنية عن القيام بدورها الرقابي، تتسع الفجوة بين المواطنين وحقهم في تعليم كريم، وتتضاعف معاناة الآباء الذين أصبحوا يستقبلون كل عام دراسي بقلق أكبر من الذي سبقه.
ويبقى السؤال الذي يطرحه آلاف أولياء الأمور بلا إجابة واضحة: إلى متى ستظل المدارس الأهلية تحدد الرسوم كما تشاء، بينما تقف الجهات الحكومية موقف المتفرج؟ وهل ستبقى معاناة الأسر مجرد أرقام وشكاوى موسمية، أم أن الوقت قد حان لتدخل حقيقي يعيد للتعليم رسالته، ويحفظ للمواطن كرامته، ويصون حق الأطفال في مستقبل لا تحدده قدرة آبائهم على دفع الرسوم؟