من هنا مرّ التاريخ.. وهنا انكسر المستعمر
في قلب القرن العشرين، كانت هذه الأرض —التي تُعرف تاريخياً بـ "دثينة" وتضم اليوم مديريات المنطقة الوسطى وعلى رأسها "مودية"— تسجل مجداً عصياً على النسيان، مجداً لا تزال وثائقه محفوظة في أرشيف بريطانيا العظمى. عندما وطئت أقدام المستعمر البريطاني هذه البلاد، ظنّ واهماً أنه سيخضعها، لكنه جوبه بـ "أرضٍ تفخخ أرواح الغزاة"، ورجالٍ أبطال سطروا ملاحم فدائية منعت المحتل من بسط سيطرته أو تثبيت أركانه. فرحم الله من غادرنا من أولئك الأبطال إلى دار البقاء، وحفظ الله من لا يزال منهم على قيد الحياة شهوداً على العزة.
ويبدو، من واقع الحال المرير اليوم، أن بريطانيا عندما غادرت هذه الأرض مرغمة، تركت خلفها "دعوة" أو لعنة تلاحق المنطقة، أو لعلّ هناك من يريد الانتقام من هذا التاريخ العريق عبر سلاح "حرب الخدمات".
واقع مأساوي: عندما تصبح فرحة "مودية" معلقة بـ "لودر"
اليوم، تعيش مودية والمنطقة الوسطى مؤامرة مكتملة الأركان تستهدف كل مقومات الحياة اليومية الأساسية، وعلى رأسها عصب العصر: الكهرباء.
لقد تحول المشهد إلى دراما مأساوية ومضحكة في آن واحد؛ فعندما تصل مادة "الديزل" إلى لودر، تعم الفرحة أرجاء مودية، وتبدأ الاستعدادات للاستبشار بـ "الضياء" لعدة أيام طوال الأسبوع. ولكن، سرعان ما تتبخر هذه الفرحة لتفسح المجال أمام مسلسل لا ينتهي من الأعذار الجاهزة والمطبوخة.
ستة أيام من الأعذار والمبررات الواهية
تأتي الكهرباء يوماً واحداً، لتأتي خلفها ستة أيام محملة بـ "السرقات الفنية" والتحجج بالأعطال. تبدأ المبررات تتدفق كالسيل:
"الأحمال زائدة.. والسرقات أرهقت الشبكة!"
"كم بقي ساعة لخطكم؟ لقد تم نقصه لأننا لا نستطيع التحميل!"
"المولدات تعرضت لأعطال مفاجئة!"
"المحطة خرجت عن الخدمة ونطاق التغطية!"
إنها منظومة من الأعذار الممنهجة التي تهدف إلى إبقاء هذه المنطقة في ظلام دامس، وكأن هناك إصراراً على معاقبة أبناء دثينة الأحرار وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
خاتمة: كفى استهتاراً بـ "المنطقة الوسطى"
إن ما يحدث لخدمة الكهرباء في مودية ليس مجرد خلل فني، بل هو مرآة لفساد وإهمال يتعمد تغييب الخدمات عن منطقة قدمت وقدم رجالها الكثير للوطن. إن الفرحة المقيدة بـ "وصول الديزل" والأعذار التي تلتهم ساعات التشغيل هي استخفاف بعقول المواطنين.
من هنا، ومن منبر القلم الحر، نرفع الصوت عالياً: كفى عبثاً بكهرباء مودية، وكفى استهتاراً بتاريخ أرض دثينة العصية على الانكسار. إن خدمة الكهرباء حق وليس مكرمة، ولن يطول صمت الناس على من يسرق ضوء نهارهم ويسلم ليلهم للظلام الشامل.
هواش طه نعمان 24/مايو /2026