آخر تحديث :الأحد-24 مايو 2026-09:53م

سلاطين الجنوب… ذاكرة وطن وشراكة في المستقبل

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 08:51 م
م. عبدالقادر خضر السميطي

في زمنٍ كثرت فيه الأصوات المتسرعة، وغابت فيه أحيانًا قراءة التاريخ بإنصاف، يحق لنا أن نقف وقفة احترام أمام رموز الجنوب التاريخية، وفي مقدمتهم سلاطين يافع وعلى رأسهم السلطان نواف فضل محمد عيدروس العفيفي، الذين عادوا إلى أرضهم وديار آبائهم بعد سنوات طويلة من الغياب والمعاناة والتشريد.


إنني اعتب على البعض الذي كان لهم رأي آخر وانتقدوا تلك المشاهد الوطنية التي عبّرت عن أصالة المجتمع الجنوبي وتمسكه برموزه التاريخية والاجتماعية. فحين يتساءل البعض لماذا هذا الموكب؟ ولماذا هذا الاستقبال الكبير؟ فإن الإجابة ببساطة تكمن في أن الشعوب الحية لا تنسى تاريخها، ولا تتنكر لرموزها التي كانت يومًا جزءًا من بناء المجتمع وحفظ تماسكه.


لقد عُرفت سلطنات الجنوب، ومنها سلطنة يافع العريقة، بأنها أنظمة حكم محلية حملت الكثير من القيم النبيلة، وأسهمت في حفظ الأمن والاستقرار الاجتماعي، وكان للسلاطين والمشائخ دور بارز في إصلاح ذات البين، ورعاية الناس، والحفاظ على الأعراف والتقاليد التي شكّلت هوية الجنوب عبر عقود طويلة. ولم تكن تلك السلطنات مجرد سلطة سياسية، بل كانت رمزًا للكرامة والهيبة والانتماء.

وسلطنة يافع على وجه الخصوص، كانت من أبرز السلطنات الجنوبية حضورًا وتأثيرًا، وقد عُرف رجالها بالشجاعة والحكمة والكرم، وكان لهم دور في مختلف المراحل الوطنية والاجتماعية، كما ظل أبناء يافع أوفياء لأرضهم وتاريخهم وقياداتهم الاجتماعية مهما تعاقبت الظروف.


ومن الإنصاف أن نتذكر أن كثيرًا من السلاطين وأسرهم تعرضوا بعد التحولات السياسية لسنوات من الإقصاء والتشريد ومصادرة الممتلكات، وغادر كثير منهم وطنهم قسرًا لا اختيارًا. ولذلك فإن عودتهم اليوم ليست أمرًا مستغربًا، بل حق طبيعي وإنساني قبل أن يكون حقًا سياسيًا أو اجتماعيًا. فمن حقهم أن يعودوا إلى أرض آبائهم وأجدادهم، وأن يعيشوا فيها بسلام واحترام وكرامة.


كما أن مشاركة سلاطين ومشائخ الجنوب في بناء الجنوب الحديث ليست منّة من أحد، بل هي استحقاق وامتياز ينبغي أن ينالوه بما يمتلكونه من كفاءات علمية وخبرات متراكمة وعلاقات اجتماعية واسعة، يمكن أن تسهم في خدمة المجتمع وتعزيز الاستقرار والتنمية. فالجنوب اليوم بحاجة إلى كل أبنائه دون إقصاء، وبحاجة إلى الاستفادة من جميع الطاقات والخبرات الوطنية مهما اختلفت مواقعها أو انتماءاتها التاريخية.


إن استقبال السلطان العفيفي وغيره من سلاطين الجنوب لا يعني رفض الدولة أو العودة إلى الماضي، كما يحاول البعض تصويره، بل هو تعبير حضاري عن الوفاء للتاريخ واحترام الرموز الاجتماعية التي لا تزال تحظى بمحبة الناس ومكانتها في وجدان المجتمع.


نعم، نحترم الرأي والرأي الآخر، والاختلاف سنة من سنن الحياة، لكن من الواجب أيضًا أن يكون النقد منصفًا بعيدًا عن التجريح أو التقليل من قيمة الشخصيات التاريخية التي لها مكانتها بين الناس. فالمجتمعات الراقية هي التي تتسع للجميع، وتحفظ لكل ذي مكانة مكانته.

ونحن نرحب بكل سلاطين الجنوب دون استثناء، ونؤمن أن حضورهم ومشاركتهم الإيجابية في الحياة العامة يمثلان إضافة وطنية واجتماعية مهمة، لأن الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، بل بالشراكة والتسامح واحترام التاريخ والرموز الوطنية.

فأهلًا وسهلًا بسلاطين الجنوب كافة، وأهلًا بالسلطان نواف العفيفي في أرضه وبين أهله ومحبيه، فعودة الرموز الوطنية والاجتماعية إلى أوطانها ينبغي أن تُقابل بالترحاب والاحترام، لا بالاستغراب أو التشكيك. والتاريخ سيظل شاهدًا على أن الوفاء للرجال الأوفياء من شيم الشعوب الأصيلة.