آخر تحديث :الأحد-24 مايو 2026-09:53م

العيد فوق أنقاض الأزمات: كيف يحافظ اليمنيون على المعنى وسط الانهيار؟

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 07:23 م
عوض عميران

في كل عام، يحل عيد الأضحى على اليمنيين فيما تتراكم فوق صدورهم أعباء تكاد تتجاوز قدرة البشر على الاحتمال. فالمجتمع الذي أنهكته الحرب والانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية والخدمية، لم يعد يواجه ضائقة عابرة، بل يعيش واقعاً استثنائياً أعاد تشكيل الحياة اليومية بصورة قاسية. ومع ذلك، لا يزال اليمنيون يستقبلون العيد بشيء من السكينة والرضا الداخلي، وكأنهم يتمسكون بما تبقى من المعنى في مواجهة واقع يكاد يبتلع كل شيء.

لقد أصبح المواطن اليمني محاصراً بأزمات متشابكة؛ انفلات أمني يتجدد بين الحين والآخر عبر عودة الاغتيالات، وتصاعد الحديث عن شبكات تمارس الابتزاز بحق العائلات الضعيفة، وسط اتهامات بوجود جهات نافذة توفر الحماية لبعض هذه الممارسات. وفي المقابل، تتسع دائرة الفقر بصورة غير مسبوقة، بينما ترتفع تكاليف المعيشة بوتيرة خانقة تجعل أبسط متطلبات الحياة عبئاً يومياً يثقل كاهل الأسر.

أما الموظف الحكومي، الذي كان راتبه يمثل الحد الأدنى من الأمان المعيشي، فقد تحول إلى نموذج للعجز الاقتصادي بعد أن فقدت الرواتب معظم قيمتها الشرائية، وأصبحت تتأخر لأشهر، في ظل غياب معالجات جادة تحد من الفجوة المتنامية بين الفقر المدقع والثراء الذي نما في ظل اقتصاد الحرب والفوضى.

ورغم أن الأزمات ليست حكراً على اليمن، فإن خصوصية المجتمع اليمني تكمن في قدرته على الحفاظ على البنية الروحية والاجتماعية للأعياد الدينية، باعتبارها مساحة معنوية تعيد ترميم ما تهدمه الحياة القاسية في النفوس.

فالعيد في الثقافة الإسلامية لا يقوم على مظاهر الفرح الزائف أو البهرجة الاستهلاكية، بل يرتبط بمعاني العبادة والرحمة والتسامح والتكافل الاجتماعي. ولهذا ارتبط عيد الفطر بزكاة الفطر، باعتبارها إعلاناً عملياً بأن فرحة العيد لا ينبغي أن تبقى حكراً على القادرين، كما لا تكتمل رمزية الأضحية في عيد الأضحى إلا عندما يصل جزء منها إلى الفقير والمحتاج.

ومن هنا يمكن فهم كيف ينجح المسلمون، حتى في أقسى الظروف، في الحفاظ على جوهر العيد. فالقيمة الحقيقية للأعياد لم تكن مرتبطة تاريخياً بالرفاه المادي وحده، بل بقدرة الناس على إبقاء روابط الرحمة والتكافل حية رغم الألم. ولهذا لا يبدو غريباً أن ترى عائلات فقيرة تشارك جيرانها الطعام، أو أباً مثقلاً بالديون يحاول شراء شيء بسيط لأطفاله كي لا يشعروا بأن الحرب سرقت منهم معنى العيد بالكامل.

إن أكثر ما يمنح هذه المناسبات قوتها الرمزية هو أنها تتحول في لحظات الانهيار إلى شكل من أشكال المقاومة النفسية والإنسانية. فالإنسان حين يتمسك بالعيد وسط الدمار، فإنه لا يحتفل بالواقع كما هو، بل يتمسك بحقه في الأمل، ويرفض أن تتحول المأساة إلى قدر نهائي يلغي إنسانيته.

ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن ذلك ما يحدث اليوم في غزة، حيث يعيش الناس تحت القصف والحصار والدمار، ومع ذلك يحاولون استقبال الأعياد بما استطاعوا من صبر وإيمان وتكافل. فهناك، كما في اليمن، لا يصبح العيد ترفاً اجتماعياً، بل رسالة أخلاقية وروحية تقول إن الإنسان قادر، حتى في أكثر اللحظات ظلاماً، على التشبث بمعاني الرحمة والحياة.

إن المجتمعات التي تمر بالحروب لا تحتاج فقط إلى حلول سياسية واقتصادية وأمنية، بل تحتاج أيضاً إلى حماية منظومتها الأخلاقية والروحية من الانهيار. لأن أخطر ما تفعله الحروب ليس تدمير المباني والبنى التحتية فحسب، بل إنهاك روح الإنسان وتحويله تدريجياً إلى كائن فاقد للمعنى والأمل.

ولهذا يبقى العيد، في الوجدان الإسلامي، أكثر من مجرد مناسبة موسمية؛ إنه تذكير دائم بأن الرحمة لا يجب أن تموت، وأن التكافل ضرورة لبقاء المجتمعات، وأن الإنسان يستطيع، حتى وهو يواجه الجوع والخوف والفقد، أن يحتفظ بشيء من النور الداخلي الذي يمنحه القدرة على الاستمرار.