بقلم: فاضل الجهوري
لا يزال شعب الجنوب يعيش على عواطفه المرهفة، دون أن يتغير أو يستفيد كما ينبغي من التجارب الكثيرة والمريرة التي مر بها عبر مراحل مختلفة، وهي تجارب كانت كفيلة بأن تعلّم الجميع الكثير من الدروس والعِبر.
لقد عاش شعب الجنوب طويلًا على الشعارات والخطابات الحماسية العصماء، وتغنى بها كثيرًا، لكنها في النهاية لم تُغيّر من واقعه شيئًا.
واليوم نرى شعبًا صابرًا، مكافحًا، أصيلًا ومخلصًا، لكن سلبيته الكبرى تكمن في أنه لا يميز بين الكذب والصدق، وبين المخلص والمراوغ، وبين المداهن والواقعي.
إنه شعب يعيش على الكلام، ويحيى على الكلام، ويحلم بالسلام وينعم بالكلام، لكنه لا يميز بين النور والظلام.
شعب أدمن التصفيق المستمر لكل من يخاطبه. لا تحتاج إلى جهد كبير لتكسب عواطفه؛ يكفي أن تنتقي شعارات وكلمات رنانة، وترتبها في قالب إنشائي جميل، لتخدّره بمشهد مسرحي متقن، فيرضى عنك سريعًا ويحملك على الأكتاف، مهما كنت ومن تكون.
لا يقبل نصيحة ناصح مخلص وصادق، لأن الكلام الواقعي لا يعجبه، بينما تنهار عواطفه الجياشة أمام مقطع حماسي، حتى وإن كان سرابًا أو وهمًا يتبخر خلال لحظات. تؤثر فيه الخطابات، وتشعل أحلامه، وتثير مشاعره، حتى يصبح أسير الكلمات المنمقة، فيقول لقائدٍ ما:
"شِبّت لبيّت أيها الضرغام، اضرب بنا حيثما شئت"
حتى وإن كان الطريق يقوده إلى المجهول أو الدمار.
شعب يكتب بسرعة وينسى بسرعة، يسامح الزعامات والوجاهات مهما جحدت بحقه، لكنه لا يذكر إحسان الضعيف وإن كان جميلًا، ولا يغفر له إن أخطأ خطأً بسيطًا.
شعب يمجّد الكبير ويحتقر البسيط، ولذلك ظلت هذه السلوكيات قائمة على النفاق والكذب واللعب على العواطف والمشاعر، بعيدًا عن الواقعية وقراءة المشهد بصدق.
وما دامت الشعارات والخطابات والكلام المعسول والنفاق هي ديدننا، فلن تقوم لنا قائمة، وسنظل ننتقل من مربع إلى آخر، ومن زعيم إلى زعيم، ومن قائد إلى آخر.
شعب يرقص ويبرع لكل من جاء وضرب له الدف والطبل، على أي لحن أو موسيقى، لا يهمه شيء سوى الرقص والبرع، حتى وإن أعقب ذلك الدم والدموع والموت والجوع وانطفاء الشموع.
وسنظل كما قال أحدهم ذات يوم بعد أن صعد المنبر:
"الخطبة هي الخطبة، والجمعة هي الجمعة... فأقيموا الصلاة."