آخر تحديث :الأحد-24 مايو 2026-09:53م

بين التصعيد والاحتواء: لماذا لا تُسقط أمريكا النظام الإيراني؟

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 03:38 م
م. صالح بن سعيد المرزم

في كل مرة تتصاعد فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: لماذا لا تُنهي أمريكا هذا النظام بشكل كامل طالما أنها تمتلك القدرة العسكرية والسياسية والاقتصادية لفعل ذلك؟

السؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى قراءة أعمق لطبيعة السياسة الأمريكية والغربية، والتي لا تُدار بردود الأفعال الآنية، بل بخطط طويلة المدى تُبنى على المصالح لا العواطف.


منذ أكثر من أربعة عقود، والمنطقة تعيش على وقع الصراع الأمريكي الإيراني؛ صراع يبدو في ظاهره عدائياً، لكنه في جوهره حافظ على توازنات خدمت القوى الكبرى بصورة أو بأخرى.

فالولايات المتحدة تعلم أن وجود خصم دائم ومصدر توتر مستمر يمنحها مبررات استراتيجية للبقاء العسكري، وصفقات السلاح، والتحكم بخطوط الطاقة، وإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة وفق احتياجاتها.


إيران نفسها تحولت مع الوقت إلى لاعب إقليمي معقد؛ فهي عدو معلن في الخطاب السياسي، لكنها في ذات الوقت جزء من معادلة النفوذ التي بُني عليها شكل الشرق الأوسط الحديث.

ولهذا نرى أن سقف المواجهات غالباً ما يبقى مضبوطاً، مهما ارتفعت حدة التصريحات أو الضربات أو العقوبات.

فالهدف في كثير من الأحيان ليس إسقاط النظام بالكامل، بل إدارة مستوى التوتر بما يخدم المصالح الكبرى ويمنع انهيار التوازنات التي تخشاها القوى الدولية.


أمريكا والغرب لا يتحركون بعقلية اليوم الواحد، بل بعقلية العقود.

يصنعون الأزمات أحياناً، ويحتوونها أحياناً أخرى، ويُعيدون تدوير الخصومات بما يضمن استمرار النفوذ والسيطرة.

ولهذا فإن قراءة المشهد بسطحية أو بعاطفة قد تجعل البعض يظن أن الحرب قادمة لإنهاء كل شيء، بينما الواقع السياسي يقول إن القوى الكبرى غالباً تبحث عن “إدارة الصراع” أكثر من “حسمه”.


وفي ظل هذه التعقيدات، تبقى منطقتنا العربية هي الأكثر تأثراً بأي انفجار أو فوضى أو حرب طويلة.

ولهذا فإن الحكمة اليوم تكمن في تعزيز الأمن العربي، وتقوية الجبهة الداخلية، والوعي بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الانجرار خلف صراعات الآخرين، بل على بناء المصالح الوطنية وحماية الأوطان والشعوب.


إن ما يحدث اليوم يجب أن يدفع العرب إلى قراءة الواقع بعين استراتيجية لا عاطفية، وفهم أن العالم تحكمه المصالح المتغيرة، لا الشعارات الثابتة.

فالدول الكبرى قد تختلف، لكنها تتفق دائماً على حماية مصالحها أولاً.


نسأل الله أن يحفظ منطقتنا العربية، وأن يجنب شعوبنا وقياداتنا ويلات الحروب والفوضى، وأن يديم الأمن والاستقرار على أوطاننا العربية كافة.