أ. د. محمد أحمد إسماعيل السعيدي
**كشف الحقيقة وتفنيد الافتراءات حول الوحدة اليمنية**
**الجزء الأول
سئمت وأنا أقرأ وأسمع الكثير من الافتراءات غير المنطقية والأكاذيب والتلفيقات حول الوحدة اليمنية وكيف تمت.
وبصفتي شاهداً فاعلاً عن قرب على أحداثها منذ بداية الثمانينات وحتى قيامها في 22 مايو 1990م، باعتباري كنت عضواً في اللجنة الاقتصادية التي صاغت قواعدها وقوانينها الاقتصادية، وأيضاً كنت عضواً في سكرتارية المجلس اليمني الأعلى للوحدة منذ تأسيس المجلس عام 1982م وحتى قيام الوحدة، حيث كانت من أبرز مهامنا في المجلس متابعة سير أعمال لجان الوحدة، وتنسيق اجتماعاتها، وتلقي مخرجاتها وتقاريرها، ورفع تقارير دورية باجتماعات المجلس الأعلى للوحدة المكون من رئيسي الشطرين، وصياغة قرارات المجلس، حتى الانتهاء من ترتيب كل المتطلبات وإعلان الدولة الوليدة.
وبصفتي هذه، أرى لزاماً عليّ إزالة الغشاوة وإظهار الحقائق الناصعة على النحو التالي:
أبرز التلفيقات هي الادعاء بأنه تم الاستعجال بإعادة تحقيق الوحدة دون منح وقت كافٍ للإعداد لها، وهذا محض افتراء مجافٍ للواقع.
والحقيقة أن الإعداد للوحدة اليمنية أخذ أطول وقت مقارنة بكافة الدول الأخرى التي توحدت، فبينما تمت الوحدة الألمانية خلال بضعة أشهر، بل إنها تمت بشكل إلحاق سافر لألمانيا الشرقية بالغربية، تم توقيع اتفاقية الوحدة اليمنية في 28 نوفمبر 1972م، والتي تضمنت الاتفاق على تشكيل ثماني لجان فنية مشتركة لتجهيز الهياكل والقوانين والنظم في كافة المجالات التي يتطلبها الكيان الجديد، وهي كالتالي: لجنة الشؤون الدستورية، لجنة الشؤون الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والقنصلي، اللجنة الاقتصادية والمالية، لجنة الشؤون التشريعية والقضائية، لجنة شؤون التربية والثقافة والعلوم، لجنة الشؤون العسكرية، لجنة الشؤون الصحية، ولجنة الإدارة والمرافق العامة.
بالإضافة إلى ثمانية عشر عاماً من الإعداد من قبل هذه اللجان، فضلاً عن السنوات الثماني الأخيرة التي شُكّل فيها المجلس الأعلى المكون من رئيسي الجمهورية في الشطرين، واللجنة الوزارية المشتركة المكونة من رئيسي الوزراء ووزراء الخارجية والدفاع والداخلية، وسكرتارية المجلس اليمني الأعلى المكونة من ثلاثة مسؤولين من الشطر الشمالي وثلاثة مسؤولين من الشطر الجنوبي، وكذا مكتبي شؤون الوحدة في الشطرين، والتي أُنشئت جميعها لذات الغرض، وهو التجهيز والإعداد لدولة الوحدة.
ومثل هذه الإجراءات، والوقت الذي استغرقته عملية الإعداد لتحقيق الوحدة اليمنية، لم يحصل في أي بلد بالعالم.
وأذكر أن أول عمل لنا عند تشكيل المجلس الأعلى عام 1982م كان متابعة سير أعمال لجان الوحدة وتجديد أعضائها لمراجعة ما تم، ورفعه إلى المجلس الأعلى للمراجعة والإقرار، فضلاً عن قيام المجلس في السنة الأخيرة بتشكيل لجان لهذا الغرض من كل وزارة مع نظرائهم في الشطر الآخر، لتنفيذ مخرجات اللجان وإعداد ما تبقى من لوائح وصياغات في السنة الأخيرة.
وأذكر أنني مع نظيري الأخ رشيد الكاف كنا على رأس لجنة النفط، حيث أعددنا كل ما تبقى من الإجراءات والهيكلة واللوائح، بحيث صدرت قرارات تعيين المسؤولين بالوزارة والمؤسسة فور تحقيق الوحدة، بناءً على الهيكلة التي أقررناها، وهكذا تم في كل وزارة.
بل وتم الاستفتاء على الدستور، الذي كان قد تم إقرار مسودته من قبل المجلس الأعلى بعد الانتهاء منه من قبل اللجنة المختصة قبل عام 1990م بعدة سنوات.
ومن المقولات أو الافتراءات الأخرى تحميل الرئيس علي سالم البيض المسؤولية، والقول إنه تخطى زملاءه في القيادة بعدن وسلم الدولة منفرداً وعلى عجل، وهذا لا يمت للواقع بصلة.
والحقيقة أن الكل كان مؤمناً بالوحدة، ليس كخيار بل كمصير وحيد. فطوال سنوات عملي في المجلس الأعلى لم ألاحظ ما يثير الريبة أو الشك من أي مسؤول في الجنوب أو الشمال يخرج عن هذا الإجماع.
والعيب الوحيد الذي كان مسيطراً على بعض السياسيين هو حسابات المصالح الشخصية، وبالذات علاقتها ببقاء الكرسي بعد تحقيق الوحدة، وهو في الحقيقة كان عيباً كبيراً وخللاً جسيماً يجب عدم نسيانه أو التهوين من أثره البالغ الأهمية، والتذكير به، الأمر الذي أجّل قيام الوحدة حتى عام 1990م.
ولهذا يمكننا القول بكل ثقة إن الشعب اليمني بكل أطيافه، من أسفل إلى أعلى هرم السلطة، كان دائماً متعطشاً للوحدة، وبالتالي كان من الممكن قيامها في أي وقت سابق منذ إعلان الاستقلال في المحافظات الجنوبية، لولا الأطماع الشخصية لبعض القادة.
حتى العامل الخارجي، على أهميته، والذي اعتبره الكثير السبب وراء إعادة تحقيق الوحدة بانهيار الاتحاد السوفيتي، لم يكن ليؤثر لولا اطمئنان الموقعين لما سيحصلون عليه من مكاسب بعد إعادة تحقيق الوحدة.
فبدون التقليل من الدور الذي لعبه سقوط الاتحاد السوفيتي والثورات التي صاحبته في دول المعسكر الاشتراكي، والتي أسقطت عروشها، والذي يعتبره كثير من المحللين الدافع وراء قيام القيادة في الجنوب بما يحلو لهم التعبير عنه بمقولة “الهروب إلى الوحدة”، إلا أنه، بتقديري، لو لم يضمنوا وضعهم الجيد أو المتميز ضمن دولة الوحدة، لما انضووا في طريق الوحدة، وكانوا سيخوضون المعركة مع الشارع في المحافظات الجنوبية حتى النهاية مهما سُفك من دماء، وبغض النظر عن تطلعات المواطنين هناك.
وما حصل منذ ذلك الحين وحتى اليوم في الوطن العربي خير دليل على أن القادة السياسيين العرب لم يتخلوا عن السلطة، وظلوا يقاومون التغيير ويسخرون كل قواهم ضد المواطن الحر، على عكس ما حصل في دول أجنبية أخرى، دون اكتراث لما يمكن أن يُسفك من دماء بريئة، حتى قُتلوا أو شُردوا قسراً.
فوفق حساباتهم، كان لديهم حزب سياسي عالي التنظيم، شديد الالتزام والولاء، ممسك بكل مفاصل السلطة ومتواجد على كامل الساحة اليمنية شمالاً وجنوباً. في المقابل، كان النظام في الشمال، من وجهة نظرهم، لا يمتلك نفس الميزة، فالمؤتمر الشعبي العام تم إنشاؤه بقرار سياسي كتنظيم جامع من كل الاتجاهات، بعضها متنافرة، ولا تدين بولاء عقائدي للسلطة، ولم يكتسب القدرة والفاعلية مقارنة بالحزب الاشتراكي، وبالتالي وجدوا أن بإمكانهم بكل سهولة اختراق وتعطيل أي فاعلية للمؤتمر الشعبي العام بعد إعادة تحقيق الوحدة.
وبالمقابل، وبرغم صحة مقولة ضعف المؤتمر الشعبي العام كحزب سياسي فاعل، إلا أن السلطة في الشمال كانت بقبضة فرد ممسك بكل مفاصل السلطة بفضل قبضته الحديدية على الجيش والأمن، معتمداً على ما يملك من مصادر القوة والسيطرة، مقارنة بنظيره في الجنوب، الذي كان يعاني، بحسب وجهة نظره، ما كانت تعانيه كل الدول الاشتراكية حينها من انهيار على كل المستويات، فضلاً عن الشرخ الكبير الذي أصاب الحزب الاشتراكي والجيش جراء أحداث 13 يناير 1986م.
فوفق حسابات كل من الطرفين، كان ذلك هو الوقت المناسب لإعادة تحقيق الوحدة، لثقة كل منهما أن الأمور تمضي لصالحه كما يراها.
وبالتالي، لم يكن من العسير على المراقب الحصيف أن يرى أن الطرفين استخدما شغف المواطنين بإعادة تحقيق الوحدة لتنفيذ مآربهما في إكسابهما شرعية جديدة وجذابة تمكن أيّاً منهما من إحكام قبضته على السلطة على امتداد الساحة اليمنية.
وعليه، فإن الوحدة التي كانت غاية كل مواطن شريف، لم تكن بنظرهم سوى وسيلة لترسيخ القبضة الحديدية على السلطة وتجديدها وتدعيمها بالشرعية الشعبية بعد إعادة تحقيق الوحدة.
بعد قيام الوحدة، لم يضيع أي من الطرفين الوقت، فقد شرع كل منهما بتنفيذ خطته، إلا أن النتيجة كانت قد حُسمت لصالح علي عبدالله صالح وحلفائه.
ومن الآن فصاعداً، وحتى لا نكرر الأسماء، سنستخدم “ع1” كناية عن رئيس الجمهورية حينها، و”ع2” كناية عن نائب رئيس الجمهورية علي سالم البيض.
فنشوة إعادة تحقيق الوحدة كانت قد ملكت العقول، وسيطرت على وجدان كل مواطن في أرجاء الوطن، بما فيهم الكثير من أعضاء الحزب الاشتراكي، الذين سرعان ما تخلوا عن الحزب الاشتراكي، وانضم الكثير منهم إلى المؤتمر الشعبي العام المسيطر عليه من قبل ع1.
وكان من الممكن أن تأخذ ترتيبات كل طرف ضد الآخر وقتاً أطول حتى تظهر إلى العلن، لولا أن عصفت بها الأطماع الشخصية على رأس هرم السلطة، فطموحات ع2 المشروعة بالعمل كنائب رئيس جمهورية سرعان ما أُحبِطت، نظراً لعدم قبول ع1 بالوضع الجديد الذي يقتضي الشراكة في قيادة الدولة، وظل ينظر لمنصب النائب بتهميشه كما تعود سابقاً.
أما باقي القصة، فالكل يعرفها.
حيث تفاقمت الأمور حتى وصلت إلى مرحلة التفريط بدماء اليمنيين في عام 1994م من أجل مصالح شخصية، للأسف الشديد.