تكمن المشكلة المتكررة في النخب الحضرمية، على مدى عقود زمنية متوالية وصولاً إلى حاضرنا، في استمرار التبعية لشخصيات من نخبٍ أحادية الثقافة والسلوك، تفتقر إلى الإبداع الفكري. وما يثير الاستغراب ويبعث على اليأس هو تكرار هذه النماذج "الحكواتية" التقليدية كخيار وارد في كل منعطف، والأدهى من ذلك أن تشمل هذه المواصفات شباباً منقطع الصلة بالفكر القادر على التحول إلى سلوك عملي يدير حياتنا الحاضرة، ويرتقي بالمجتمع في إطار ثوابت واقعية ومادية لا يمكن تجاوزها؛ إذ إن تجاوز الواقع يؤكد طغيان النزعة الذاتية على النزعة الموضوعية.
إن هذا الاختيار "المشين" من قبل نخب ماضوية —قبل رحيلها— لشباب وشابات لا صلة لهم بملكات القيادة، ليس إلا محاولة لاستنساخ مشاريع بائدة وتوريثها لجيل جديد ليكون مجرد تذكير بما مضى، وكأننا "يا بو زيد ما غزيت" كما يقول المثل الدارج.
ومع ذلك، فإن واقعنا الحضرمي لا يخلو بتاتاً من رموز ونخب يُشار إليها بالبنان، تسعى للتقريب بين الكتل السياسية والاجتماعية دون تجاوز الواقع الماثل، معتمدة على البديهيات والأولويات والقانون. هذه النخب ترفض التجاهل وتصر على مبدأ "الندية" في أي مشروع سياسي يراد له النجاح.
ويرى المشتغلون بتحليل الواقع الاجتماعي وما طرأ عليه من تغيرات إيجابية، أن هذه الرموز تلفت النظر برؤاها الإبداعية البعيدة كل البعد عن التكرار. وهي رؤى تعكس الثقافات المتعددة التي صاغت شخصياتهم المتنوعة بين الأصالة الاجتماعية والحداثة، وممارسة أعمال تهدف لتحقيق الطمأنينة النفسية عبر تحسين واقع الجماهير، دون الانزلاق نحو نكسات وخيمة.
كما تتكفل هذه النخب بفرز خصوصية الهوية الحضرمية وتحقيق الحقوق، دون إنكار العلاقة التاريخية مع المحافظات اليمنية الأخرى، شريطة أن تكون علاقة "ندية" لا تبعية تستخف بالشخصية الحضرمية. إنها علاقة تعتبر القيمة الحقيقية في الإيرادات المتنوعة والمكانة القانونية والإدارية والمالية التي تفرضها حضرموت على أرض الواقع، وهو ما ينبغي توسيعه ليشمل مجالات عدة، وفي مقدمتها خصوصية الهوية المجتمعية.
وكأحد هذه النماذج، يبرز الأستاذ عقيل العطاس، الغني عن التعريف، خاصة في السنوات الأخيرة حين أشهر مكون "مثقفون من أجل حضرموت". لقد استحضرتُ من خلاله مقولة الشاعر العربي القديم:
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم .. ولا سَراةَ إذا جُهّالهم سادوا
وهذه الخصيصة الوصفية هي ما يفرق مجتمع "جنوب اليمن" عن شماله؛ إذ كانت لحضرموت دوماً مرجعية معنية بالشأن العام وتحسينه. ولا يقتصر الأمر على الأستاذ عقيل، فهناك آخرون يعملون برؤى متقاربة، ويهتمون بالمثقفين الأكاديميين الذين يجمعون بين الفكر والواقع، كالشيخ عمرو بن حبريش، وبعض المكونات الحراكية (كالمشارك والثوري).
ختاماً، نأمل من مكون "مثقفون لأجل حضرموت" برئاسة الأستاذ عقيل، أن يطرح عملاً سياسياً يجمع بين رؤيته ورؤى المكونات التي أشرنا إليها آنفاً كأمثلة، سعياً لمصلحة حضرموت.. والله من وراء القصد.