في زمن الانفجار المعرفي والسيولة المعلوماتية التي نشهدها اليوم، أصبح العقل البشري عُرضة لتيارات متضاربة من الادعاءات والمعلومات التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى التوثيق والدليل. وتحول استقبال المعلومة اختباراً أخلاقياً وعقلياً يستوجب وقفة جادة مع الذات ومع المنهج الذي نتبعه في تحليل ما يصل إلينا.
ينطلق المنهج القويم في التفكير من قاعدة قرآنية صلبة تحث على التبين والتحري. فالقرآن الكريم دعا الإنسان للإيمان، كما دعاه إلى التدبر والتعقل في آيات كثيرة، محذراً من اتباع ما ليس للإنسان به علم. إن قوله تعالى "فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" يضعنا أمام استراتيجية واضحة: الاستماع للجميع، ثم الفرز والتحليل، ثم اختيار الحق واتباعه. هذا المنهج يرفض "الطاغوت الفكري" الذي يتمثل في تسليم العقل لأي سلطة غير سلطة الحق والبرهان، سواء كانت هذه السلطة متمثلة في آراء موروثة أو أشخاص مُقدسين أو أهواء شخصية.
التفكير الناقد في جوهره هو "الشك الصحي" في كل معلومة معروضة والامتناع عن قبولها إلا ببرهان. هو القدرة على التفرقة بين "الخبر" و"الرأي"، وبين "الحقيقة" و"الادعاء". فالكثير من الصراعات الفكرية والسياسية اليوم تتغذى على معلومات مشوهة تُقبل كمسلمات فقط لأنها تخدم هوىً معيناً أو تنتمي لمصدر نثق به ثقة عمياء. إن العقل الناقد هو الذي يطرح السؤال الدائم: "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، وهو الذي لا ينساق وراء "الكثرة" لمجرد أنها كثرة، فالقرآن أكد في مواضع شتى أن الأكثرية لا تعني بالضرورة الصواب.
يتطلب تحليل المعلومة بإنصاف ما يُعرف بـ "الصفاء الذهني"، وهو تجريد النفس من الرغبات المسبقة والتحيزات المذهبية عند البحث عن الحقيقة. إن من أكبر آفات العقل هو "الانحياز التاكيدي"، حيث يبحث الإنسان فقط عما يثبت وجهة نظره ويتجاهل كل دليل يعارضها. هذا النوع من التفكير يحول الإنسان إلى "قاضٍ إسفنجي" يمتص المعلومات التي تروق له ويترك الحقيقة جانباً. نصرة المذهب أو الفرقة أو الفئة السياسية لا يجوز أن تعلو فوق نصرة الحق، والمسلم الحق هو من ينحاز للعدل حتى لو كان ضد نفسه أو من يحب.
يقع الكثيرون في فخ المغالطات المنطقية التي تُستخدم لتزييف الوعي، ومن أبرزها "مغالطة رجل القش"؛ حيث يتم تشويه فكرة الخصم أو اقتطاع كلامه من سياقه للهجوم عليه بسهولة. وكذلك "مغالطة السلطة"، وهي قبول الفكرة لمجرد أن "فلاناً" قالها، دون النظر في جوهر الفكرة ذاتها.
إن الحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق. كما يجب الحذر من "الشخصنة"، وهي رفض الحقيقة لمجرد كراهيتنا لقائلها، فالحكمة ضالة المؤمن، يأخذها أنى وجدها.
إن اتخاذ الموقف في النهاية ليس مجرد اختيار فكري، بل هو "شهادة لله". نحن مأمورون بالانحياز للعدل والحرية والكرامة الإنسانية بناءً على وعي وبصيرة. العقل هو الأداة التي وهبنا الله إياها لنصل إلى الجنة، وتعطيل هذا العقل بالتبعية العمياء أو الجهل المتعمد هو جناية في حق النفس. إن بناء عقل يتدبر، يحلل، ويحترم الدليل هو السبيل الوحيد للنهوض بالأمة من حالة التخبط الفكري إلى فضاء الوعي والتمكين.