على امتداد ساحلٍي يتجاوز طوله 2500 كيلومتر، من مضيق باب المندب غربًا حتى سواحل المهرة شرقًا، لا تبدو الجغرافيا اليمنية مجرد خطٍ فاصل بين اليابسة والبحر، بل فضاءً بيئيًا بالغ التعقيد، تتداخل فيه النظم البحرية مع أنماط معيشية هشة، وضغوط اقتصادية متصاعدة، وواقع بيئي يزداد هشاشة عامًا بعد آخر. هذا الامتداد البحري ليس مجرد حدود جغرافية، بل منظومة بيئية متكاملة تنبض بالحياة، تضم أكثر من 180 جزيرة، تتصدرها أرخبيل سقطرى المدرج ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي لليونسكو، لما يتمتع به من تنوع حيوي بحري فريد ونادر على مستوى العالم.
وفي قلب هذا التنوع الاستثنائي تبرز السلاحف البحرية بوصفها أحد أهم مؤشرات صحة البيئة الساحلية في اليمن. فهي ليست مجرد كائنات عاشت على كوكب الأرض لأكثر من 100 مليون عام، بل عنصر محوري في توازن النظام البيئي البحري، إذ تسهم في حماية الشعاب المرجانية من الاختناق، وتنظيم نمو الأعشاب البحرية، والمحافظة على استقرار السلسلة الغذائية في البحار.
وبحسب تقارير الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، فإن تراجع أعداد السلاحف البحرية لا يعني خسارة نوع مهدد بالانقراض فحسب، بل يمثل إنذارًا مبكرًا لخلل أوسع في النظام البيئي البحري، قد ينعكس بشكل مباشر على المخزون السمكي الذي يعتمد عليه ملايين اليمنيين، وعلى قدرة السواحل في مواجهة التآكل والتغيرات المناخية المتسارعة.
وفي هذا التقرير سوف نسلط الضوء على واقع السلاحف البحرية في اليمن بوصفها نموذجًا حيًا للأحياء البحرية المهددة بالانقراض، بدءًا من طبيعة البحر اليمني وثرواته، مرورًا بأنواع السلاحف الموجودة، وصولًا إلى أبرز التهديدات التي تواجهها، والجهود الوطنية والدولية المبذولة لحمايتها. إضافة إلى استعراض أهم الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية هذه الكائنات والبداية من.
-البحر اليمني…ثروة طبيعية تحت ضغط الواقع
تتمتع اليمن بواجهة بحرية تمتد على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ما يجعلها نقطة تقاطع لتيارات بحرية غنية بالتنوع الحيوي، حيث تعيش مئات الأنواع من الأسماك والشعاب المرجانية والقشريات والثدييات البحرية، إضافة إلى الطيور المهاجرة غير أن هذا التنوع، الذي يفترض أن يشكل رصيدًا بيئيًا واقتصاديًا مستدامًا، بات اليوم في مواجهة سلسلة من الضغوط، تتراوح بين الصيد غير المنظم، وتدهور البيئة الساحلية، وتراجع قدرات الحماية والرقابة، وصولًا إلى التغيرات المناخية التي بدأت تترك بصماتها الواضحة على السواحل.
ووسط هذا المشهد، تحتل السلاحف البحرية موقعًا حساسًا، ليس فقط لأنها مهددة بالانقراض بل لأنها ترتبط مباشرة بتوازن النظام البيئي البحري بأكمله.
-أنواع السلاحف الموجودة في اليمن... تنوع بيولوجي يستحق الحماية
تُعد السواحل اليمنية واحدة من أهم البيئات البحرية في المنطقة، لما تتمتع به من تنوع بيولوجي فريد يجعلها موطنًا رئيسيًا للسلاحف البحرية. وقد سجل الباحثون وجود خمسة من أصل سبعة أنواع معروفة عالميًا، أبرزها السلحفاة الخضراء، ومنقار الصقر، وضخمة الرأس، والزيتونية، والجلدية، وهو ما يعكس الأهمية البيئية الكبيرة لموقع اليمن الجغرافي الذي يجمع بين البحر الأحمر والمحيط الهندي ويوفر بيئات متنوعة للتغذية والتكاثر والهجرة ولذلك، فإن حماية السلاحف لم يعد خيارًا بيئيًا فقط، بل أصبح ضرورة ملحة للحفاظ على التوازن البيئي البحري، وضمان استدامة الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات الساحلية في حياتها ومعيشتها.
-التهديدات المتعددة التي تواجه السلاحف البحرية في بلادنا
رغم أهميتها البيئية، تواجه السلاحف البحرية في اليمن جملة من التهديدات المركبة، بعضها مباشر وبعضها ممتد عبر تغيرات بيئية عالمية.
حيث يعتبر الصيد العرضي من أكبر التهديدات التي تواجه السلاحف البحرية. ففي كثير من الأحيان تعلق السلاحف في شباك الصيد أو أدوات الصيد المختلفة أثناء بحثها عن الغذاء. وعندما تبقى السلحفاة عالقة لفترة طويلة فإنها قد تموت بسبب عدم قدرتها على الوصول إلى سطح الماء للتنفس. إضافة إلى التلوث البحري فالمخلفات البلاستيكية من أخطر التهديدات للحياة البحرية. فالكثير من السلاحف تبتلع الأكياس البلاستيكية ظنًا منها أنها غذاء، مما يؤدي إلى إصابتها أو نفوقها. كما تؤثر الزيوت والمخلفات الصناعية والمواد الكيميائية على البيئة البحرية وتلحق أضرارًا كبيرة بالكائنات الحية. وتدمير مواقع التعشيش تعتمد السلاحف البحرية على الشواطئ الرملية لوضع البيض. لكن التوسع العمراني والأنشطة البشرية المختلفة يؤديان إلى تدمير أو إزعاج هذه المواقع المهمة. وصولا إلى التغيرات المناخية حيث تشكل التغيرات المناخية تحديًا عالميًا للسلاحف البحرية، حيث تؤثر درجات الحرارة المرتفعة على عملية التكاثر والفقس، كما يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تآكل بعض الشواطئ التي تستخدمها السلاحف للتعشيش.
-إنقاذ سلحفاة… نموذج للوعي البيئي
في موقف يعكس تنامي الوعي البيئي، تمكن الصياد والإعلامي رشيدي محمود رشيدي، المتعاقد مع وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، من إنقاذ سلحفاة بحرية علقت بسنارة صيد قبالة سواحل عدن، وإعادتها إلى بيئتها الطبيعية.
هذا الحدث، رغم بساطته، يعكس أهمية الدور الفردي في حماية الحياة البحرية، ويؤكد أن حماية السلاحف مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي والصيادين.
-اليمن… على خط المواجهة البيئية
مسؤولون في قطاع الثروة السمكية ووزارة المياه والبيئة لقطاع البيئة والهيئة العامة للأبحاث وعلوم البحار أكدوا أن حماية السلاحف البحرية تمثل استثمارًا طويل الأمد في مستقبل البيئة والاقتصاد الوطني، وليس مجرد إجراء بيئي والبداية مع.
-وكيل وزارة الثروة السمكية لقطاع الإنتاج وخدمات التسويق السمكي غازي لحمر، حماية السلاحف البحرية تمثل استثمارًا في مستقبل البيئة البحرية والاقتصاد الوطني، وليس مجرد إجراء للحفاظ على أحد الكائنات المهددة بالانقراض، مشيراً إلى أن اختفاء هذه الكائنات سيترك آثارًا مباشرة على المخزون السمكي والتنوع الحيوي والأمن الغذائي للمجتمعات الساحلية. موضحا أن اليمن يمتلك واحدًا من أهم الامتدادات الساحلية في المنطقة، حيث تشكل سواحله الممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب موائل طبيعية وممرات هجرة لخمسة أنواع من السلاحف البحرية المصنفة عالميًا ضمن الأنواع المهددة بالانقراض وفق القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN)، وفي مقدمتها السلحفاة الخضراء، وسلحفاة منقار الصقر، والسلحفاة ضخمة الرأس، وهو ما يضاعف من مسؤولية الدولة في حمايتها والحفاظ على موائلها الطبيعية. منوها إلى أن أي تراجع في أعداد السلاحف البحرية سيؤدي إلى سلسلة من الاختلالات البيئية، تبدأ بتدهور الموائل البحرية، ولا تنتهي بانخفاض المخزون السمكي وتراجع دخل آلاف الصيادين الذين تعتمد حياتهم بصورة مباشرة على الموارد البحرية.
-جهود وزارة الزراعة والري والثروة السمكية والتدابير الميدانية التي اتخذتها السلطات المحلية لحماية مواقع تعشيش السلاحف البحرية
في هذا الجانب اوضح الوكيل غازي لحمر أن وزارة الزراعة والري والثروة السمكية أصدرت قرار وزاري يحمل رقم (42) لسنة 2025م وهذا القرار يحظر وبصورة كاملة اصطياد جميع أنواع السلاحف البحرية أو الاتجار بها أو نقلها أو تسويقها داخل اليمن أو خارجها، كما يمنع جمع بيضها أو العبث بمواقع تعشيشها، مع قصر استخدامها على الأغراض العلمية بعد الحصول على تراخيص رسمية من الوزارة.
واضاف قائلا إن القرار جاء استنادًا إلى التشريعات الوطنية المنظمة لحماية الأحياء المائية، وإلى الدراسات العلمية التي أكدت تراجع أعداد السلاحف البحرية والحاجة الملحة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحفاظ عليها. واشار إلى أن الجهود الحكومية شملت كذلك اتخاذ تدابير ميدانية لحماية مواقع التعشيش، حيث أصدرت السلطة المحلية في مديرية البريقة بمحافظة عدن قرارات بمنع التخييم والأنشطة السياحية في جزيرة العزيزية خلال مواسم تعشيش السلاحف، إضافة إلى حظر استخدام وسائل الصيد المدمرة، مثل الشباك الوترية والشباك الإسرائيلية، ومنع الصيد باستخدام الإضاءة القوية التي تتسبب في إرباك السلاحف ومنعها من الوصول إلى الشواطئ لوضع بيضها.
-اتفاقيات دولية خاصة بحماية السلاحف البحرية
وفي هذا السياق قال لحمر توجد العديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية السلاحف البحرية ومن أبرزها، اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض (CITES) إلى جانب اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) اتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS). اتفاقية رامسار. أهداف التنمية المستدامة (SDGs) دور منظمة الأغذية والزراعة (FAO). دور الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) وغيرها. منوها إلى أن اليمن تلتزم بعدد من الاتفاقيات ومن أبرزها، اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض (CITES). والتي تحظر الاتجار بجميع أنواع السلاحف البحرية ومنتجاتها ومذكرة تفاهم المحيط الهندي وجنوب شرق آسيا (IOSEA)، التي تشجع الدول على تطوير وسائل صيد تقلل من الصيد العرضي للسلاحف، وتعزز حماية موائلها الطبيعية.
-وكيل وزارة المياه والبيئة لقطاع البيئة، عبد الحكيم راجح، كان قد حذر في تصريح سابق لمركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية "أن انتشار ظاهرة اصطياد السلاحف في العديد من مناطق اليمن، بما في ذلك المناطق المعلنة رسمياً “محميات طبيعية” كسقطرى وعميرة في لحج وجزيرة العزيزية في عدن وشرمة في حضرموت، وغالباً ما تتم في أوقات الليل أثناء تواجدها في مواطن التعشيش وأماكن التغذية. أدت زيادة الإقبال على لحوم وبيض السلاحف إلى تنامي ممارسات اصطيادها، الأمر الذي يهدد بانقراضها، كما أنَّ غياب القدرة على إنفاذ القوانين والأنظمة، وانعدام الاستقرار الاقتصادي والصعوبات التي تعاني منها المجتمعات الساحلية تسهل على الصيادين والتجار ممارسة مثل هذه الأنشطة غير القانونية".
-رئيس الهيئة العامة للأبحاث وعلوم البحار الدكتورة هناء رشيد أحمد:-السلاحف البحرية من أهم الكائنات البحرية المهددة بالانقراض في اليمن، حيث تشكل السواحل والجزر اليمنية خاصة في مناطق البحر العربي وخليج عدن وجزيرة أرخبيل سقطرى، موائل مهمة لتعشيش وتكاثر عدة أنواع من السلاحف البحرية النادرة ومن بينها السلحفاة الخضراء والسلحفاة صقرية المنقار والسلحفاة ضخمة الرأس، وهي جميعها أنواع تواجه مخاطر متعددة تشمل الصيد الجائر، وتدمير مواقع التعشيش، والتلوث البحري، إضافة إلى تأثيرات التغيرات المناخية وفي هذا الإطار وضمن الجهود الوطنية للحفاظ على الحياة البحرية أصدرت وزارة الزراعة والري والثروة السمكية قرارًا احترازيا بحظر صيد السلاحف البحرية والاتجار بها أو تسويقها، بهدف حمايتها من الانقراض وتعزيز استدامة التنوع البيولوجي في المياه اليمنية.
واشارت إلى أن الهيئة تدعم جهود تنفيذ برامج الرصد البيئي في عدد من الموائل الطبيعية ومن أهمها محمية شرمة، وأرخبيل سقطرى وسواحل خليج عدن، بهدف حماية مواقع التعشيش والحفاظ على التنوع الحيوي البحري وفق أسس علمية مستدامة، ونسعي في الهيئة العامة للأبحاث وعلوم البحار إلى لتأمين التمويل اللازم لتنفيذ مشروع متخصص يهدف إلى جمع البيانات الإحصائية والبيولوجية الخاصة بالسلاحف البحرية، بما يتيح إنتاج مؤشرات علمية دقيقة حول مواسم التكاثر، ومواقع وضع البيض، ومسارات التعشيش، الأمر الذي يسهم في تعزيز جهود الحماية وصون هذه الكائنات المهددة بالانقراض.
وختاما تظل السلاحف البحرية في اليمن أكثر من مجرد كائنات مهددة بالانقراض؛ إنها مرآة تعكس صحة البحر، وشاهد حي على العلاقة بين الإنسان والطبيعة. وحماية هذه الكائنات ليس ترفًا بيئيًا، بل ضرورة لحماية البحر نفسه، وضمان استمرارية مصادر الرزق التي يعتمد عليها آلاف الصيادين وأسرهم على طول السواحل فكل سلحفاة تُنقذ اليوم هي خطوة نحو بحر أكثر توازنًا وبيئة أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر أمانًا للأجيال القادمة. فهل نختار أن نحافظ على هذا الإرث البحري الصامت، أم نتركه يختفي تدريجيًا من ذاكرة البحر؟