سقطت المخا.
ليست جملة عابرة تُكتب في خبر، ولا سطرًا يُقرأ ثم يُنسى.
سقطت المخا بيد مليشيات الحوثي.
وسقطت معها ليلة طويلة من الوجع، لا تزال تسكن في صدور الذين عرفوا معنى أن تقاتل من أجل أرض، ثم ترى الأرض تفلت من بين يديك.
سقطت...
والبنادق شامخة، والرجال على الثغور.
قاتلوا.
صمدوا.
نزفوا.
ودّعوا رفاقًا أمام أعينهم، ثم عادوا إلى مواقعهم.
كانوا يعرفون أن الموت قريب، لكنهم لم يعرفوا أن النهاية ستكون بهذا الوجع.
ثم جاء السقوط.
سقطت المخا...
ولا جواب.
لماذا سقطت؟
كيف سقطت؟
كيف يمكن لمدينة أن تدفع كل هذا الثمن، ثم تُترك في اللحظة التي كانت تنتظر فيها النجدة؟
لا جواب.
قاتلوا حتى آخر ما استطاعوا.
ثم انسحبوا.
سقطت بالدم...
وانسحبوا بالدم.
خرجت الأجساد من المعركة، لكن أرواحًا كثيرة بقيت هناك، معلقة بين الرمال والبحر وذكريات الذين لن يعودوا.
ومنذ ذلك اليوم، ونحن نحمل سؤالًا أثقل من الجبال:
لماذا؟
الكل أخطأ.
والكل صمت.
والكل خسر.
والكل انصدم.
والكل بكى.
حتى أولئك الذين لم تسقط دمعة من أعينهم، كانت أرواحهم تبكي بصمت.
بكينا المخا.
وبكينا رجالها.
وبكينا زمنًا كنا نظن أنه سيكتب لنا انتصارًا، فإذا به يكتب لنا جرحًا جديدًا.
بكينا أمًا انتظرت ابنها فلم يعد.
وزوجةً بقي الباب أمامها مفتوحًا، لكنها لم تسمع الخطوات التي كانت تنتظرها.
وطفلًا كبر فجأة حين عرف أن أباه لن يعود.
بكينا رجلًا حمل سلاحه إلى الجبهة، ثم عاد يحمل جرحه، وربما لم يجد بعد ذلك إلا خيمةً ونظرةً بعيدةً إلى أرض كان ذات يوم يقاتل فوق ترابها.
كان أقسى ما في السقوط أن الذين قاتلوا لم يكونوا جبناء.
كانوا هناك.
والبنادق كانت هناك.
والدم كان هناك.
والرجال كانوا هناك.
لكن المدينة سقطت.
وهنا يكمن الوجع الذي لا تستطيع الكلمات أن تحمله.
لم تسقط المخا لأنهم لم يعرفوا معنى القتال.
سقطت بعد أن قاتلوا.
ولهذا كان سقوطها أكثر قسوة.
أما الذين شمتوا...
فلا شيء يُقال لهم.
فالشماتة لا تعيد مدينة، ولا تمحو دم شهيد، ولا تصنع مجدًا.
ومن يفرح بسقوط مدينة، سيكتشف يومًا أن المدن لا تنسى من فرح بسقوطها.
لكننا لا نريد أن نبقى أسرى للشماتة.
ولا أسرى للغضب.
ولا أسرى للسؤال.
لقد بكينا بما يكفي.
وحزنّا بما يكفي.
ووقفنا طويلًا أمام صور الذين رحلوا، عاجزين عن فهم كيف انتهت تلك المعركة.
لكن هناك لحظة يجب أن ينتهي فيها البكاء...
وتبدأ فيها العودة.
فالمخا ليست مجرد مكان.
المخا ذاكرة.
المخا دم.
المخا رجال وقفوا حين كان الوقوف ثمنه الحياة.
وإذا كان الحوثي قد استطاع أن يحتل ترابها، فإنه لن يستطيع أن يحتل ذاكرتنا بها.
لن يستطيع أن يجعلنا ننسى.
ولن يستطيع أن يقنعنا أن الهزيمة هي قدرنا الأبدي.
لا.
قد نسقط...
لكننا لا ننتهي.
قد نخسر جولة...
لكننا لا نسلّم الحكاية.
قد يخرج الرجل من المعركة مكسورًا، لكنه يستطيع أن يعود أقوى.
وقد تُهزم مدينة في يوم، لكنها تستطيع أن تصبح موعدًا للنصر في يوم آخر.
لهذا...
سنحفظ أسماء الذين رحلوا.
سنحفظ دماءهم.
سنحفظ رمال المخا التي شربت دماء رجالها.
وسنحفظ ذلك اليوم بكل ألمه، لا لكي نبقى فيه...
بل لكي لا نكرر أخطاءه.
لن نهزم مرتين.
سننهض.
سنستعيد ما خسرناه وسنستعيد اليمن.
وسنعود إلى المخا يومًا، لا بأحلامٍ فارغة، ولا بشعاراتٍ مؤقتة، بل بعزيمةٍ تعرف معنى الأرض، وتعرف قيمة الدم الذي سُفك من أجلها.
وعندما نعود...
لن نبحث عن أحد لنلومه.
لن نبحث عن شماعة للهزيمة.
سننظر إلى الخلف، ونقول:
كان يومًا أسود... لكنه لم يكن آخر الأيام.
وسيظل على بوابة المخا سؤالٌ قديم:
لماذا سقطت؟
لكن يوم العودة، لن يكون السؤال مهمًا كما كان.
لأننا سنكتب تحته جوابًا واحدًا:
سقطنا يومًا... ثم نهضنا.
بكينا... ثم تقدمنا.
انكسرنا... ثم استعدنا أنفسنا.
ومن بين ركام الهزيمة، سيولد الطريق.
ومن بين دموع المخا، ستولد العزيمة.
ومن المكان الذي ظنوا أننا دُفنا فيه...
سنخرج.
فالمخا قد تكون سقطت...
لكنها لم تمت.
والذين قاتلوا من أجلها لم يذهب دمهم سدى.
لأن هناك وطنًا لا يزال حيًا في صدورنا...
وهناك عودة لم تبدأ بعد.