أبناءُ عدن.المسالمين ..الطيبين لا يطرقون أبوابَ السحرِ بحثاً عن معجزات، ولا يطلبون من الدّهر غيرَ كسرَةِ خبزٍ لا تُعَجَّنُ بالمَهانة، وصباحٍ يُشرِقُ فيهِ بصيصُ أملٍ لا يغتالُهُ صوتُ قبيح أو صوت انفجار ، أنهم يحلمون بمساءٍ يتوَّجُ بفرحةٍ بكرٍ لا تسلبُها المواجع.
لقد كَبُرنا قبل الأوان... نمت أرواحُنا على إيقاعِ الأنين، ورَضَعنا الحزنَ صغاراً بين ركامِ خراب السنين ، وظلالِ الحرب، ورحى النزوح والعودة. عشنا نتقلبُ على جمرِ التوتر، ونقتعدُ أرصفةَ القلقِ الممتدة كليلٍ لا ينجلي.
لم تكن "عدن" يوماً جدراناً صامتةً، ولا شوارعَ يمرُّ بها نسيمُ البحرِ صدفةً ليلفحَها حرُّ الصيف... بل كانت دوماً أمّاً رؤوفاً، تطبّبُ جراحَ أبنائها المبعثرين، وتمسحُ بأكفّها الحنونةِ على قهرِهم كلما أوجعَتهم الحياة.
لكنها اليوم... تقفُ واهنةً في مهبّ الريح، تئنُّ تحت وطأةِ جفاءٍ لا تستحقّه، وترنو إلى أبنائها بقلبٍ مكلومٍ ينزف، لعلّ صرختَها المخنوقةَ تجدُ أُذناً واعِيَةً أو ضميراً يستفيق. تستصرِخُهم أن ينهضوا صَفّاً واحداً؛ لينتشلوها من غياهبِ هذا الظلامِ الدامس، ويخرجوا بها من عنقِ الزجاجةِ الضيّقِ الذي حُبِسَت فيه منذ أعوامٍ عجاف.
"أيُّ وجعٍ هذا الذي يمزّقُ الروحَ مُرّاً، ونحن نرى مدينتَنا الساحرةَ تُذبحُ على مهل؟!"
والأنكى من قسوةِ الغريب... غدرُ القريب؛ حين يتكالبُ عليها مَن حَسِبتهم سَنَداً، كأنما حِلفٌ خفيٌّ أُبرِمَ لسلبِها رمَقَ الحياة، ووأدِ أحلامِ أبنائها في المهدِ قبل أن ترتشفَ النور.
لقد أثقلت الكهولةُ قامةَ ثغرِنا الباسم، وغارت عيناها من طولِ البكاء، وفي سمائها تحومُ غربانُ الخذلان. كيف لمدينةٍ كانت مجرّةً للضوءِ ومرتعاً للأمان، أن تغدوَ حلبةً لتصفيةِ حسابات ما . ومأتماً مفتوحاً للأحزان؟ كيف يُتركُ وجهُها الوضّاءُ غارقاً في دموعه، بينما أبناؤها ينامون على الحرمان، ويتوسّدون العوز و الخوف؟
إنّ عدن لا تطلبُ المستحيل. إنها تنادي فينا ما تبقّى من نخوة، وتستحلفُنا بجمالِ أيّامِها الغابرة أن نكونَ لها الرداءَ والسند.
فهل نتركُ أمَّنا تحتضرُ بين أيدينا صامتين؟ أم نلملمُ جراحَنا، ونغسلُ بدموعِ الوفاءِ غبارَ الوجع، لنعيدَ النبضَ إلى قلبِها المتعب؟
فمن بين ركامِ الفواجع، سيبزغُ صباحٌ جديدٌ لعدن . صباحٌ ينفضُ عن كاهِلها سوادَ الحداد، ويغمرُ بحرَها بضوءٍ لا ينطفئ، لأنّ المدنَ التي صُنِعت من الحبّ والضوء... لا تموت ولن تموت .