المذكرة الثانية؛
نشأت في العمارات السكنية التي بُنيت خصيصاً لمدراء العموم والمكاتب من الحزب الاشتراكي. وحتى مسجد قباء لم يكن اسمه – في نظر كثيرين آنذاك – مجرد اسم عابر، بل كان يحمل رمزية سياسية ودينية في زمن كانت فيه الخصومة تتجاوز السياسة إلى الأفكار والرموز. فقد اختير اسم قباء، أول مسجد في الإسلام، ليحمل في نظر كثيرين رسالة رمزية تميز المسجد عن محيطه الذي كان يُنظر إليه بوصفه امتداداً للسلطة الاشتراكية. وهكذا أصبحت حتى الأسماء جزءاً من لغة الصراع.
وفي مطلع التسعينيات، كنت يافعاً أحضر حلقات القرآن في المسجد. وكانت الأجواء العامة آنذاك مشبعة بخطابات سياسية تصور الحزب الاشتراكي وكأنه لا يمثل إلا الظلم والجريمة، حتى ترسخت تلك الصورة في ذهني. ولم أكن أعلم أن والدي وبعض أصدقائه وجيراني كانوا ينتمون إليه، فكنت أصدق ما يقال بينما كنت في الوقت نفسه أعيش بينهم.
نشأت في كنف آباءٍ أفاضل، أمثال المأمور أحمد فرج، والنائب محمد عرمان، والفنان محمد الميسري، وغيرهم من الرفاق، فكان من عرفتهم منهم أصحاب قلوب طيبة وأخلاق كريمة، رحمهم الله جميعاً. كنت أخرج صباحاً إلى المدرسة، فأراهم في شرفات البلوكونات؛ أحدهم يسقي الزهور، وآخر ينثر الحبوب للطيور. لم أرَ منهم إلا الرحمة والرفق والابتسامة وحسن الجوار.
وهنا بدأت معركتي الحقيقية...
كان هناك حوار لا ينقطع بين قلبي وعقلي. كنت أسأل نفسي: كيف يمكن أن يكون هؤلاء هم أولئك الذين صُوِّروا لنا؟ وكيف يجتمع هذا اللطف كله مع تلك الصورة التي زرعت في عقولنا؟
ومع مرور الأيام، وبعد مرحلة الثانوية تحديداً، اكتشفت أن كثيراً مما سمعناه كان متأثراً بخطاب سياسي حاد، لا يعكس دائماً واقع الناس، بعد أن غرس في النفوس تصنيفات لم تكن موجودة في حياتهم اليومية، ولا في المجتمع الذي عرف التعايش والمودة قبل أن تعبث به الخطابات السياسية.
وكنت أتساءل: كيف لأناس أسهموا في تربية الأجيال، وبناء مؤسسات الدولة، وخدمة المجتمع، أن يختزل تاريخهم في تصنيفات قاسية؟ وكيف يمكن أن تمحى سنوات العطاء والتربية بما قدموه من أثر وبصمات في حياة الناس؟
ومضت الأيام...
وفي إحدى الليالي جاء صهري الأستاذ صالح الميسري لتقديم واجب العزاء في وفاة الشيخ المناضل الهيثمي عشال، رحمه الله، وأقام تلك الليلة في منزل والدي.
وقبل أذان الفجر الأول، خرجنا إلى مسجد قباء، فوجدنا أن من سبقنا إلى المسجد سبعة مصلين، وكانوا جميعاً من أبناء الحزب الاشتراكي.
وبعد أن أدينا سنة الفجر إلى جوار الأستاذ هادي هارون، رحمه الله، التفت صالح الميسري إليه مازحاً وقال: "يا أستاذ هادي... هل أنا الآن في منظمة الحزب الاشتراكي أم في مسجد قباء؟"
ابتسم الأستاذ هادي وقال: "بل أنت في مسجد قباء يا بن سليمان."
فقال صالح الميسري: "إذن أين الإصلاحيون؟"
فضحك الأستاذ هادي وقال: "ما صفّينا إلا نحن... ولا ندري أين أصحابكم."
فضحكنا جميعاً..
ورحل أولئك الرجال جميعاً، وبقيت سيرتهم شاهدة عليهم. فلا يليق بنا أن نصادر مصائر الناس بأحكام جزافية، وإنما نشهد بما عرفناه من حسن الخلق وطيب السيرة، ونكل ما خفي إلى الله. وقد كان من أجمل الخواتيم أن أحد الرفاق لقي ربَّه وهو قائم بين يديه، يؤدي صلاة العصر.
أكتب هذه الشهادة لأنني عشتها، لا لأنني أدافع عن حزب أو أهاجم آخر، وإنما شهادة لأناس عرفتهم عن قرب.
فقد علمتني الحياة أن أخطر ما يمكن أن يزرع في عقل الطفل هو الكراهية، وأن أعظم ما يكتشفه الإنسان حين يكبر أن الحقيقة لا تُعرف بالخطب والشعارات، وإنما بمعاشرة الناس.
يتبع... المذكرة الثالثة.
..
.