تخرجت في كلية التربية بزنجبار عام 2009، ولم تمضِ سوى سنوات حتى عصفت بمحافظة أبين أحداث متلاحقة؛ بدأت بسيطرة تنظيم القاعدة على زنجبار عام 2011، وما رافقها من دمار طال مؤسسات المحافظة، ثم جاءت الحرب وتمدد الحوثيين، لتقضي على ما تبقى من البنية التحتية، حتى بدا المشهد وكأن التعليم في أبين قد فقد كل مقومات النهوض.
في تلك المرحلة، لم يكن أحد يتحدث عن جامعة، بل كان مجرد بقاء كلية التربية واقفة على قدميها يعد إنجازاً.
لكن كانت هناك إرادة آمنت بأن الخراب ليس نهاية الطريق. ومن بين الذين حملوا هذه المسؤولية الدكتور محمود الميسري، الذي قاد مشروع إعادة تأهيل هذا الصرح العلمي، حتى أصبحت كلية التربية نواة لجامعة أبين، جامعة تضم عدة كليات، وتستعيد للمحافظة شيئاً من مكانتها العلمية.
كنت أستغرب كيف يمكن لكلية أنهكتها الحروب أن تتحول إلى جامعة، حتى سنحت لي فرصة زيارتها في يناير عام 2021.
لم تكن زيارتي بدافع الفضول، بل كنت أحمل هدفاً بسيطاً يتمثل في تأثيث قاعة علمية بثانوية جواس في مديرية مودية، بعد أن تكفل صديقي، طيب الذكر علي أبوبكر عشال، بتوفير مستلزمات القاعة بقيمة مليونين ومائتي ألف ريال، ولم يتبق سوى توفير المقاعد والمكاتب لاستكمال المشروع.
وهناك تبددت كل تصوراتي.
رأيت كليات قائمة، ومبان حديثة، وساحات نظيفة، وتشجيراً يبعث على الارتياح، وتنظيماً يعكس أن وراء هذا المكان إدارة تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء المؤسسة. أدركت أن ما سمعته عن إعادة إعمار الجامعة لم يكن مبالغة، بل حقيقة رأيتها بعيني.
التقيت بالدكتور محمود الميسري، وطلبت منه المساعدة في توفير بعض المقاعد للقاعة.
ابتسم، ثم قال عبارة ما زالت عالقة في ذهني، رغم أن الواسطة التي كانت بيننا لها ثقلها:
أنا مؤتمن على ممتلكات الجامعة، وليس من حقي أن أمنحك شيئاً من عهدتها، لكن لدينا مستودعات تضم أثاثاً مستغنى عنه، ويمكنك أن تأخذ منه ما تحتاج.
ثم وجه أحد الموظفين لفتح المستودع، وقال لي: "خذ ما يكفيك."
خرجت وأنا أحمل ما تحتاجه القاعة من مقاعد ومكاتب، لكنها حملت معها درساً أكبر من الأثاث نفسه؛ درساً في الأمانة، وفي التفريق بين المال العام وما يمكن التصرف فيه وفق النظام.
غادرت الكلية وأنا مطمئن، بعد أن تم الاتفاق على إرسال سيارة لاحقاً لنقل المقاعد والمكاتب إلى مودية. وعدت وأنا سعيد، أرى في مخيلتي القاعة وقد اقتربت من الاكتمال لتخدم الطلاب، وتستفيد منها المدرسة في إقامة الأنشطة والاجتماعات الرسمية وفعاليات المنظمات.
لكن المشروع توقف قبل أن يرى النور. فبعد عودتي مباشرة فوجئت بإيقافي عن ممارسة أي نشاط في الثانوية، الأمر الذي حال دون استكمال نقل الأثاث وتنفيذ المشروع. وكان مؤلماً أن يتعثر عمل لم يكن يستهدف سوى خدمة الطلاب، خاصة أنني خلال شهرين استطعت استقطاب مشاريع وأنشطة وكتب مطبوعة من فاعلي الخير، تجاوزت قيمتها أربعة ملايين ونصف المليون، وأسهمت في دعم العملية التعليمية وتعزيز الأنشطة المدرسية.
ما دعاني إلى كتابة هذه السطور اليوم هو ما شاهدته من مشاهد استعراض تنظيم ونظافة جامعة أبين، التي بثتها قناة السعيدة. أعادت إلي تلك المشاهد ذاكرة زيارة مضى عليها سنوات، واستحضرت مواقف لا تزال حاضرة في ذهني، فرأيت أن من الوفاء أن أروي ما شهدته بنفسي.
وأبلغوا الدكتور محمود الميسري تحياتي، فبعض المواقف تبقى راسخة في الذاكرة، ويستحق أصحابها أن تذكر جهودهم كلما أعاد الزمن فتح صفحاتها.