رحم الله والدي، الأستاذ علي عوض باحشوان. كان يؤمن أن المنصب وسيلة لخدمة الناس، لا غاية تطلب لذاتها، فعاش للمبدأ قبل المنصب، وللواجب قبل المصلحة.
كان معلماً يحمل رسالته متنقلاً بين المدارس، ثم انتقل إلى العمل الإداري مديراً لدائرة الإسكان في مديرية مودية، ولم تغيّر الوظيفة طباعه. فلم يستولِ على أرض، ولم يفرّط في ممتلكات الدولة، ولم يجعل من المسؤولية باباً للثراء أو النفوذ، بل ظل يرى أن الوظيفة أمانة، وأن قيمة المسؤول تُقاس بما يحفظه من حقوق الناس، لا بما يجمعه من مكاسب.
ثم جاءت أحداث عام 1994م، فتبدلت الأحوال، وتغيّرت الموازين. وفي يوم من الأيام، وصلته ورقة صغيرة مضمونها: "سلّم المكتب... تسلّم."
كانت كلمات قليلة، لكنها أنهت مرحلة من حياته الوظيفية، لتبدأ بعدها سنوات من التهميش والإقصاء، رغم سجله النظيف وخبرته الإدارية. ولم يكن وحده من دفع الثمن؛ فقد كانت تلك المرحلة السياسية ثقيلة الوطأة، ألقت بظلالها على أسرٍ كاملة، غيّرت مسارات حياتهم، وحرمت كثيرين من حقوقهم وفرصهم.
لم يساوم والدي، ولم يغير مبادئه، بل سلّم الأمانة، وعاد إلى رسالته الأولى معلّماً للعلوم في مدرسة جمال، حيث كنت أنا أحد طلابه. وما زلت أراه واقفاً أمام السبورة، بصوته الشجي، وهدوئه الذي يبعث الطمأنينة، مرتدياً سرواله البني وقميصه المخطط، يشرح الدرس وكأنه لا يحمل في قلبه شيئاً من أوجاع الحياة.
لكن ذات يوم، غادر المدرسة بصمت، دون أن يودّع طلابه أو يخبرهم بسبب رحيله. لم نكن ندرك حينها أن تلك الحصة التي وقف فيها أمام السبورة كانت آخر حصة له. بقي المشهد عالقاً في ذاكرتي، وكأنه حدث بالأمس، بينما ظل سبب ذلك الرحيل أكبر من أن يفهمه طفل في مثل سني آنذاك.
...
ومضت الأيام...
حتى جاءت ليلة من ليالي عام 2003. كنا نجلس بعد صلاة العشاء، نذاكر دروسنا ونشاهد التلفاز، حين قطع رنين هاتف المنزل هدوء المكان. سارعت إلى رفع السماعة، فسألني المتصل:
"هل هذا منزل الأستاذ علي عوض باحشوان؟"
أجبته: نعم.
قال إنه يتحدث من وزارة التربية والتعليم في صنعاء، ويريد الحديث مع والدي. ناولته السماعة، فأصغى قليلًا، ثم قال والدي:
"أعطوني أسبوعاً لأفكر."
كان العرض أن يتولى إدارة مكتب التربية في المديرية.لكن سرعان ما انتشر خبر تعيينه مما أثار اعتراضات واسعة، وتحركت أطراف نافذة لرفض القرار.
وبعد أسبوع، عاد الاتصال، فأخذ والدي السماعة وقال بهدوء: "أعتذر... فالوقت لم يعد وقتنا، ولم تعد مؤسسات الدولة تعمل وفقاً للنظام والقانون."
لم تكن تلك الكلمات وليدة تلك اللحظة، بل كانت خلاصة سنوات من الإقصاء والتهميش، حتى أيقن أن الكفاءة وحدها لم تعد طريقاً إلى خدمة الوطن، وأن الواقع أصبح تحكمه اعتبارات أخرى.
رحل والدي، ولم يكن وحده من أُقصي. فقد كان واحداً من جيل ساهم في بنى مؤسسات الدولة، وربى الأجيال، ثم وجد نفسه خارج المشهد، لا لضعف في الكفاءة، بل لأن المرحلة اختارت الولاء الحزبي، والسعي إلى توسيع النفوذ داخل المجتمع والقبائل، معياراً للتعيين والتكليف، متقدمة بذلك على الكفاءة والخبرة والمؤهلات. وكان ذلك أحد الأسباب التي أسهمت في تراجع مؤسسات الدولة، وأفضت إلى ما آلت إليه مديرية مودية اليوم.
لا أكتب هذه السطور لإدانة أحد، ولا لإحياء خصومات الماضي، وإنما لتوثيق سيرة رجل آمن بأن الوظيفة أمانة، وأن خدمة الناس شرف. وهي شهادة وفاء لرجال أسهموا في بناء مؤسسات الدولة، وربوا الأجيال، ويستحقون أن يذكروا بما قدموا، لا بما انتهوا إليه
يتبع...