يتربع حصن شَمّار الأثري والتاريخي على قمة جبلية عالية إلى الجنوب من مركز مديرية يافع رصد، في نطاق مكتب كلد بني قاسد، مطلاً شرقاً على جبال ووديان مديان التي تزخر بتنوع نباتي وحيواني يجعلها جديرة بأن تكون محمية طبيعية، وغرباً على وادي الضيق، وشمالاً على منطقة حذة،وجنوبا على حصن يَخْصُب، في موقع استراتيجي كان يمنح ساكنيه القدرة على مراقبة كل ما يدور في الأوديان المحيطة.
داخل أسواره المتهالكة لا تزال بقايا مدينة محصنة تنطق بعظمة من بناها. أساسات مبانٍ قديمة متلاصقة، وسور حجري لم يتبق منه إلا أجزاء شاهدة على براعة المعمار اليافعي القديم.وفي جوف الحصن تنتشر مدافن حجرية كانت تستخدم لتخزين الحبوب، وهي اليوم في حالة يرثى لها بعد أن طالتها يد العبث. كما لا يزال صهريج صغير قائماً وسط الأطلال، مبطناً بالخرسانة القديمة، كان يجمع مياه الأمطار في مواسمها ليؤمن شرب السكان وحماية المدينة من العطش.
لكن ما يدمي القلب أن هذا المعلم التاريخي لم يحظَ بأي دراسة أو تنقيب أثري رسمي حتى اليوم، وتاريخ بنائه لا يزال مجهولاً بدقة. تتناقل الألسن روايات شعبية تربطه بالملك (شمر يهرعش) دون دليل قاطع، بينما تمضي المقبرة الجاهلية الواسعة باتجاه شروق الشمس والممتدة بجوار الحصن في طريق الاندثار بعد أن نبشها الباحثون عن الكنوز بشكل عشوائي، محولين موقعاً أثريا إلى حفر مبعثرة.
وفي صباح الأربعاء 4 سبتمبر 2019، أعاد رعاة أغنام في مراعي جبل شمّار تذكيرنا بقيمة ما يضيع... عثروا على عملات معدنية يعود تاريخها إلى أكثر من 600 عام، نقش على أحد وجهيها (بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق)٧ ، وفي الوجه الآخر اسم سلطان طمسه الزمن. وبجوارها وجدوا فضيات قديمة كانت تستخدمها نساء المنطقة كزينة للرأس والرقبة، إضافة إلى أوانٍ حجرية استخدمت لطهي الطعام. هذه المكتشفات البسيطة التي ظهرت على السطح تؤكد أن باطن الحصن لا يزال يحتفظ بأسرار لم تُكشف.
وتظهر في الصور المرفقة قطع نادرة تعكس ثراء التراث المحلي لمنطقة يافع، وتبرز من بين القطع التي تم العثور عليها أولاً زينة الرأس.
المَرَد.. قطعة فضية عريضة توضع في مقدمة الرأس وتنزل على الجبهة، وغالبا ما تُزخرف بالنقوش البارزة ويتدلى منها جلاجل أو سلاسل صغيرة.
وتُعد المَرَد من أهم وأثمن قطع جهاز العروس اليافعية، إذ لا يكتمل لبس الرأس واكتمال هيئة العروس بدونها.
ملاحظة توثيقية_ يختلف المَرَد عن المَصْبَر، فالمَرَد مخصص لمقدمة الرأس والجبهة فقط، بينما المَصْبَر شبكة فضية تغطي خلف الرأس وتمتد إلى الجبهة وتزين بفصوص من العقيق.
ثانيا زينة الرقبة والصدر
اللَّبَّة.. طوق أو عقد فضي سميك يلتف حول الرقبة وينزل على الصدر، ويُعد من القطع الأساسية في زينة المرأة.
يختلف الرّفْرُوف و الخُطْر عن (اللَّبَّة) في الشكل والوظيفة، فاللبة طوق واحد سميك، بينما الرفروف طبقات تغطي منطقة الصدر، والخُطْر سلسلة تلبس على العنق مباشرة. كالطوق.
وتشكل هذه القطع مجتمعة شاهدا حيا على القيمة الرمزية والجمالية والاجتماعية التي كانت تحتلها الفضة في حياة المرأة اليافعية قديما، حيث كانت الفضة مقياسا للمكانة الاجتماعية وجزءاً أصيلا من الهوية والتراث اليافعي .
حيث تشكل هذه القطع شاهدا على القيمة الرمزية والجمالية التي كانت تحتلها الفضة في حياة المرأة اليافعية قديما.
ومنذ تقرير سابق نشر في 10 ديسمبر 2014 بصحيفة الأيام ، لم يتغير حال الحصن. بل ازداد تدهوراً. فبين الحين والآخر تتعرض معالمه للنبش والتخريب تحت ذريعة البحث عن الدفائن، في ظل صمت مريب وإهمال من الجهات المختصة.
حصن شمّار ليس حالة فردية. إنه واحد من عشرات المعالم الأثرية في يافع التي تتهاوى بصمت، بينما كان يمكن أن تتحول إلى شواهد حضارية ومقاصد سياحية تروي للأجيال قصة أرض وتاريخ. واليوم، ومع كل حجر يسقط وكل حفرة تُحفر، يقترب هذا الحصن خطوة أخرى من الاندثار الكامل، تاركا سؤالا مفتوحًا... إلى متى سيظل تاريخنا عرضة للضياع؟