لم يحتج ابني علي، البالغ من العمر أربعة عشر عاماً، إلى سنوات جديدة ليثبت قدرته، بل احتاج إلى دقائق خارج مسجد قباء ليكتشف الجميع ما كان يحجب عنه داخله. عندها أيقنت أن المشكلة لم تكن فيه، وإنما في البيئة التي لم تنصفه.
سنوات وهو يتحمل الإقصاء والتهميش، ويقدَّم عليه من هم أصغر سناً وأقل إتقاناً، وتحجب عنه فرص الأذان والتكريم، رغم أنه من أقوى قراء حلقته. حتى وصلت الأمور إلى مواقف مؤلمة جعلت الاستمرار في ذلك المكان أمراً بالغ الصعوبة.
هذا الصباح انتقل علي مع عدد من أبناء الحي إلى مسجد التوحيد. لم يسأله أحد عن اسمه، ولا عن أسرته، ولا من أي مسجد جاء؛ لأن المعيار هناك لم يكن الأشخاص، وإنما القرآن.
بدأ يقرأ من سورة التوبة، فما إن استمع إليه معلمه حتى أوقفه، واتجه به مباشرة إلى شيخ حلقة الكبار، الشيخ عبد الرحمن الحافظ للقراءات العشر. استمع الشيخ إلى قراءته، ثم قال له: "ستبقى معي هنا، فأنت متقن."
وأخبرني علي أنه شعر في البداية بشيء من الحياء عندما وجد نفسه في حلقة الكبار، بين رجال في سن والده، أهل وقار، قد علت وجوههم اللحى، ولم يتوقع أن يكون بينهم وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. لكن مع انتهاء الحلقة وخروج الأطفال من المسجد، أقبل عليه أصدقاؤه يباركون له هذه النقلة، ويهنئونه بانضمامه إلى حلقة الكبار، في موقف لم يستغرق سوى دقائق، لكنه ترك في نفسه أثراً عظيماً، وأعاد إليه الثقة التي حاولت سنوات من التهميش أن تنتزعها منه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عاد علي ليخبرني بأنه وجد عدداً كبيراً من أطفال وشباب مسجد قباء قد أصبحوا في مساجد أخرى، مثل مسجد التوحيد ومسجد الرسالة. عندها تبادر إلى ذهني سؤال مؤلم يحتاج إلى إجابة صادقة: ما الأسباب التي دفعت بعض طلاب مسجد قباء إلى البحث عن بيئة أخرى يجدون فيها الاهتمام والاحتواء؟ وما الذي جعل بعض شبابه ينحرفون نحو جماعات متطرفة، بينما ابتعد آخرون عن المسجد وقضوا أوقاتهم بعيداً عن حلق العلم والتربية؟
في دقائق معدودة، أنصفه قوم لم يعرفوه، بينما عانى سنوات في مكان يعرفه الجميع.
وهنا يتجلى الفرق بين بيئة تجعل القرآن هو المعيار، وبيئة تتسلل إليها الأهواء والمجاملات والمحسوبيات. فالقرآن لا يرفع إلا أهله، ولا يميز بين الناس إلا بالإتقان والإخلاص.
وفي الختام، كل الشكر والتقدير للأستاذ المربي فيصل علوي العلهي، الذي سعى طوال الوقت إلى ترسيخ الإنصاف وتحقيق التوازن، وبذل جهداً صادقاً في ذلك، وإن لم يجد دائماً من يصغي إلى محاولاته، فتبقى مواقفه محل احترام وتقدير.