آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-10:06ص

الفلسفة المثالية .. والواقع المادي ..!!

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 03:14 م
إبراهيم ناصر الجرفي


كانت وما تزال وستظل المثالية والايجابية فكرة عظيمة تراود المفكرين والفلاسفة على مر التاريخ ، وقد وضعوا الكثير. من النظريات والأفكار في هذا المجال ، وكانت تراودهم الآمال والاماني في بناء مجتمعات بشرية فاضلة وراقية يسود فيها العدل والمساواة والمدنية والتعايش الراقي والسلمي ، ويحكمها النظام والقانون ، ويختفي فيها كل مظاهر الظلم والتظالم والوحشية والعنف والاستبداد ، وكانت كل أفكارهم ونظرياتهم تستدعي الجانب الخيري والمثالي في الإنسان ( سقراط وافلاطون وارسطو وكنفوشيوس انموذجا ) ، وكدلك الحال بالنسبة للأديان السماوية ففد جاءت تحمل في طياتها الكثير الكثير من التشريعات والأحكام التي تدعوا إلى المثالية والايجابية في التعاملات والعلاقات والتفاعلات البشرية ، وتنشد الخير والصلاح والسعادة لجميع البشر في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة ( الدين الإسلامي إنموذجا ) ، لكنها اصطدمت جميعها أمام الواقع المادي الذي تتحكم فيه وتسيطر عليه غرائز وشهوات الإنسان المادية ، والتي تدفع بالإنسان لارتكاب السلبيات بشكل مفرط ، في مسعى منه للاستحواذ على المقدرات والموارد التي تجود بها الأرض ، والاستفراد بالسلطة والقرار والتحكم بحياة ومصير الآخربن ، لإشباع حاجاته وغرائزه وشهواته ونزواته دون مراعاة لحاجات وحقوق وحريات الآخرين ..!!


وفي مقابل المدرسة المثالية والايجابية ظهرت المدرسة الواقعية والمادية التي تمجد القوة وتعظم المادة وتشجع على الهيمنة والسيطرة والاستفراد بالسلطة ، لتتحول حياة البشر إلى حلبة من الصراع المتواصل والمستمر في سبيل الحصول على المادة والقوة ، والتي اصبحت معياراً للتميز والأفضلية ، وطريقا للحصول على المزيد من الاشباع الغرائزي والشهواني ، ونتج عن ذلك الكثير الكثير من صور المآسي والمعاناة التي تجرعتها المجتمعات البشرية ولا تزال وستظل طالما وأفكار المدرسة الواقعية والمادية هي السائدة والفاعلة في العلاقات والتعاملات والتفاعلات البشرية ، وإذا كانت الافكار والنظريات المثالية والايجابية تهدف إلى ضبط وتنظيم غرائز وشهوات وحاجات الانسان وفق نظام معين ، فإن أفكار ونظريات المدرسة الواقعية والمادية قد أطلقت العنان للانسان لاشباع حاجاته وشهواته وغرائزة بكل الطرق والوسائل الممكنة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة ..!!


وهناك الكثير من البشر في كل زمان ومكان يسعون إلى تقمص دور المصلحين والواعظين والدعاة للمثالية والايجابية والخيرية ، رغم أنهم في الواقع بعيدين كل البعد عن تلك القيم العظيمة ، وليس هناك ما هو أسوأ من ذلك ، فهذه العينات من البشر قد شوهت بالقيم المثالية والايجابية وجعلتها محط سخرية وشك وريبة ، نتيجة استغلالها السلبي لها لتحقيق مصالح مادية ونفعية ، وأي تكلف من أي نوع كان للتظاهر بالمثالية والايجابية يفقدها جمالها وبريقها وجوهرها ويشوه معالمها ، وأجمل ما في القيم المثالية والايجابية عفويتها والمبادرة الذاتية إليها دون انتظار جزاءا ولا شكورا من أحد ، والتمسك بها كمنهج حياة في السر والعلن ، وتحقيق ذلك يحتاج لضمير انساني حي وعقيدة دينية وسطية ومتوازنة ، وكل البشر يسعون للظهور بمظهر المثالية والايجابية لكن هناك عدة عوامل تحول دون ذلك من أهمها التنشئة والتربية السلبية القائمة على التعبئة الدينية والايديولوجية المتطرفة والمتشددة والمتعصبة ، والبيئة العدائية المحيطة نتيجة الحروب والصراعات ، والظروف الاجتماعية القاسية ، والعوز والفقر والحاجة والحرمان والظلم والتمييز العنصري ، وغيرها ، والتي تصنع أجيال تنزع إلى العدائية للآخر الديني والمذهبي والطائفي والعرقي ، وتمجد ثقافة العنف والقوة والحروب والصراعات ..!!


وأروع صور المثالية والايجابية هو حب الخير للآخرين ، والنظرة المتساوية لكل البشر كأخوة في الانسانية والحفاظ على حقوقهم وحرباتهم ، واحترام التعدد والتنوع الفكري والديني والثقافي كسنة إلهية في هذا الكون لا يمكن تغييرها أو تحويلها ، واستخدام الحوار والحكمة والموعظة الايجابية والقدوة الحسنة كوسائل ايجابية للتأثير على الآخرين وتغيير قتاعاتهم وحتى معتقداتهم ، بعيدا عن لغة العنف والاكراه والاجبار والاضطهاد والاستبداد ، ومن المعيب أن نطالب الآخرين سواء أفراد أو مجتمعات أو دول أو حضارات بالمثالية في تعاملهم معنا ، ونحن بعيدين كل البعد عن المثالية والايجابية في تعاملنا مع بعضنا البعض في نطاقنا الأسري والمجتمعي والحضاري ، من يطالب الآخرين بالمثالية والايجابية عليه أن يكون قدوة ونمودج رائد في المثالية والايجابية في علاقاته وتعاملاته مع الآخرين.، وأول خطوة لولوج طريق المثالية والايجابية تتمثل في الشعور والاحساس بالآخرين ، وأن ترضى للآخرين ما ترضاه لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك ..!!