بقلم: م.فضل علي مندوق
لم يعد الجدل حول فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز مسألة تقنية محصورة في نطاق الإجراءات التنظيمية أو أدوات الإدارة السيادية للمجال البحري، بل باتت إشكاليةً بنيويةً تمسّ الأسس العميقة التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر، وتعيد طرح العلاقة المركبة بين الجغرافيا السياسية والقانون الدولي والاقتصاد العالمي، في سياق يتسم بتصاعد التنافس على الممرات الاستراتيجية وإعادة تعريف مفهومي السيادة والحرية.
فالمضيق، بوصفه أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفقات الطاقة العالمية، لم يعد مجرد ممر مائي محايد، بل غدا نقطةَ ارتكازٍ في صراعِ الإرادات بين منطق “المشاعات البحرية العالمية” الذي يستند إلى الطبيعة المشتركة للفضاءات البحرية، ومنطق “السيادة المتعاظمة” الذي يميل إلى إعادة إنتاج الاحتكار الجغرافي وتحويل الممرات المفتوحة إلى أدوات نفوذ وضغط اقتصادي واستراتيجي. ويُعيد هذا التحول إحياءَ الجدل النظري الذي أسّسه الفقيه الهولندي هيوغو غروتيوس في أطروحته عام 1609 (حرية البحار)، غير أن هذا التصور الكلاسيكي يواجه اليوم تحدياً بنيوياً مركباً يتمثّل في انتقال أدوات ممارسة السيادة من المجال العسكري التقليدي إلى أشكال أكثر تعقيداً، تشمل “السيادة الرقمية” و“السيطرة المعيارية” على البنى التحتية للملاحة.
في هذا السياق، لم تعد السيطرة على المضائق تُمارس عبر الوجود العسكري أو التحكم الجغرافي المباشر فحسب، بل باتت تتخذ أشكالاً غير مادية ترتبط بإدارة البيانات البحرية، وأنظمة التتبع الملاحي، ومنصات تنظيم المرور البحري. ويكرّس هذا التحول ما يمكن وصفه بـ“الدولة البوابة”، التي لا تكتفي بالسيطرة على الجغرافيا، بل تمتد سلطتها إلى الفضاء الرقمي الذي يُعيد تعريف شروط العبور ذاتها، بما يحوّل “حق المرور العابر” إلى عملية مُدارة تقنياً خاضعة للرقابة والإجراءات التنظيمية، لا لمنطق القوة التقليدي وحده.
ضمن هذا الإطار، تظل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي دخلت حيّز النفاذ عام 1994، المرجعية القانونية الأساسية التي حاولت ضبط التوازن بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة الدولية. وقد كرّست المادة (38) منها نظام “المرور العابر” في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بما يضمن استمرار الملاحة دون عوائق. غير أن الإشكال لا يكمن في وضوح النصوص القانونية، بل في قابلية إعادة تأويلها ضمن بيئات سياسية متغيرة. فالواقعية السياسية، كما صاغها "هانز مورغنثاو"، تؤكد أن القانون الدولي لا يعمل بمعزل عن موازين القوة، بل يعكسها ويعيد إنتاجها في لحظات التوتر الاستراتيجي.
ومن هذا المنظور، يمكن رصد اتجاهات محتملة نحو “الالتفاف المعياري” على القيود القانونية الصريحة عبر توظيف المواد المتعلقة بالسلامة البيئية وتنظيم الملاحة، ولا سيما المادتين (21) و(41)، من الاتفاقية ذاتها، بما يسمح بفرض رسوم أو قيود غير مباشرة تحت مسميات تنظيمية أو بيئية. ويأخذ هذا النمط شكل ما يمكن تسميته بـ“الجباية المعيارية الخضراء”، حيث تُستخدم الاعتبارات البيئية إطاراً شرعياً لفرض تكاليف على حركة الملاحة دون الاصطدام المباشر مع الحظر الوارد في
المادة (42) المتعلقة بعدم جواز تعطيل المرور العابر. وهنا يتجلى الطابع المرن للقانون الدولي بوصفه أداة قابلة لإعادة التشكيل تبعاً لتوازنات المصالح.
اقتصادياً واستراتيجياً، يثير طرح “الجباية البحرية” مفارقة جوهرية. فبينما يمكن فهمه ضمن منطق السيطرة على طرق التجارة، كما أشار المنظّر البحري "ألفرد ثاير ماهان"، فإن تحويله إلى أداة ابتزاز مالي مباشر قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تسريع البحث عن بدائل هيكلية للممر، سواء عبر خطوط أنابيب أو إعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا تنشأ دينامية معقدة أقرب إلى منطق نظرية الألعاب، حيث يقابل المكسب التكتيكي قصير الأمد احتمال خسارة استراتيجية طويلة الأمد نتيجة إعادة توزيع الاعتماد الجغرافي.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في ما يمكن تسميته بـ“معضلة الاعتماد الآسيوي”، حيث تعتمد القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، على استقرار تدفقات الطاقة عبر هذا الممر الحيوي. ومن ثم فإن أي اضطراب مستدام قد يدفع إلى إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والأمنية، بما يفرز توازنات غير تقليدية تتجاوز الاصطفافات الكلاسيكية، وصولاً إلى تقاطعات مصلحية ظرفية بين قوى متنافسة لاحتواء مخاطر سلاسل الإمداد العالمية.
اقتصادياً، لا يقتصر أثر تسييس المضيق على قطاع النفط فحسب، بل يمتد إلى البنية الأوسع للتحول الطاقي العالمي. فالمضائق الاستراتيجية تمثل عقداً حيوية في سلاسل توريد المعادن النادرة ومكونات الطاقة النظيفة، ما يجعلها جزءاً من معادلة الانتقال نحو الاقتصاد منخفض الكربون. ومن هذا المنظور، فإن إدخال عنصر عدم اليقين إلى هذه العقد يهدد استقرار الأسواق التقليدية، كما يعرقل مسارات التحول “الأخضر”، عبر رفع تكاليف النقل والتأمين وتعطيل التدفقات اللوجستية العالمية.
ويشير التحليل البنيوي، كما صاغه "كارل بولاني" ، إلى أن إخضاع البنى التحتية الحيوية لمنطق السوق أو الجباية يؤدي إلى اختلال التوازن بين الاقتصاد والمجتمع، ويعيد إنتاج أزمات عدم الاستقرار على نطاق واسع. وفي السياق الدولي، يتقاطع ذلك مع تحذيرات منظمة التجارة العالمية التي تؤكد أن استقرار التجارة العالمية مرهون بقدرة النظام الدولي على ضمان قابلية التنبؤ بالقواعد المنظمة للممرات وسلاسل الإمداد.
على المستوى الأمني، يفتح تسييس الممرات البحرية الباب أمام سيناريوهات “تدويل الحماية”، حيث تجد القوى الكبرى نفسها مدفوعة إلى تأمين خطوط الملاحة عبر وجود عسكري مباشر أو عبر تحالفات أمنية متعددة الأطراف. وهذا التحول يعيد إنتاج نمط من “عسكرة الممرات” تحت ذريعة حماية الأمن الملاحي، بما ينسجم مع تحذيرات هنري كيسنجر بشأن هشاشة التوازن بين الشرعية والقوة، واحتمال انزلاق النظام الدولي إلى ردود فعل غير محسوبة.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن في تداعياته المباشرة فحسب، بل في قدرته على إعادة تشكيل البنية الكلية للنظام البحري العالمي. فالمضائق الدولية، وفي مقدمتها هرمز وباب المندب وقناة السويس (التي تخضع لاتفاقية القسطنطينية لعام 1888)، تمثل شرايين النظام الاقتصادي العالمي، وأي اختلال طويل الأمد في تدفقها يشبه انسداداً في الدورة الدموية للاقتصاد الدولي. ومن هنا يغدو السؤال الجوهري متعلقاً ليس فقط بشرعية الرسوم أو الجبايات، بل بمستقبل فكرة “المجال البحري المشترك” ذاتها.
أن مستقبل الممرات الاستراتيجية لن يتحدد فقط عبر التوازنات الإقليمية، بل عبر قدرة النظام الدولي على إعادة ترسيخ قواعد مشتركة قادرة على ضبط سلوك الفاعلين. فإما أن يستمر نموذج الانفتاح البحري القائم على التعاون والضبط القانوني كما أرسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (النافذة منذ عام 1994)، أو ينزلق العالم نحو نمط من “السيادات المتصادمة”، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة صراع مفتوح، ويغدو القانون مجرد ظلّ هش فوق واقع تحكمه القوة.