آخر تحديث :الخميس-16 أبريل 2026-09:49م

رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه… ولكن!

الجمعة - 27 مارس 2026 - الساعة 10:30 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه”، كلمة عظيمة تختصر ميزان الحياة، وتضع لكل إنسان حدًا بين الطموح المشروع والغرور المقيت، بين القيادة المستحقة والتسلّق المبتذل.


لكن حين ننظر إلى واقع الجنوب منذ عام 1967، نجد أن هذا الميزان قد اختلّ، بل كُسِر، وتحول المشهد من تقدير الذات إلى انتفاخها، ومن معرفة القدر إلى الجهل به، حتى أصبح الذي يعرف قدر نفسه كأنه استثناء… بل كأنه غير مرغوب فيه.


لقد مات – أو أُميت – أولئك الذين كانوا يزينون أنفسهم بميزان العقل والأخلاق. اختفوا من المشهد، أو تم إقصاؤهم، أو صمتوا قهرًا، فخلت الساحة لفئة لا تعرف حدودها، ولا تدرك حجمها، ولا تفرّق بين الطموح والاستحقاق.


وهنا تكمن الكارثة…


لم يعد المنصب يُطلب من أهله، بل صار يُطلب ممن لا أهلية له. لم تعد القيادة مسؤولية، بل أصبحت غنيمة. ولم يعد الحياء قيمة، بل صار يُنظر إليه كضعف، بينما الوقاحة تُكافأ، وقلة الأدب تُرفع، والتطاول يُصفق له.


إن ما نراه اليوم ليس مجرد خلل عابر، بل هو إرث متراكم… ثقافة توارثتها الأجيال، حيث أصبح قليل الحياء هو الأكثر حضورًا، والأكثر بروزًا، والأكثر وصولًا. وكأن المجتمع – بصمته أو بخوفه – سلّم مفاتيح نفسه لمن لا يستحق.


لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

ما كان لهؤلاء أن يتمادوا… لولا سكوت أهل الحق.


نعم، الصمت شريك في الجريمة. والتراجع أمام السفهاء ليس حكمة، بل تنازل. وترك الساحة لمن لا يعرف قدر نفسه، هو في حد ذاته اعتراف غير مباشر بأحقيته.


وللإنصاف، فالمشكلة لا تقف عند هذه الفئة وحدها، بل تمتد إلى من أعطاهم الفرصة، ومن مكنهم، ومن رأى فيهم أدوات تخدم مصالحه، فدفع بهم إلى الواجهة، غير مدرك – أو غير مبالٍ – بحجم الضرر الذي يصنعه.


وهنا يتجسد معنى القول الشعبي:

“قالوا مجنون..أكل صاع

قالو المجنون الذي قرّب له”


فالمشكلة ليست في “المجنون” فقط، بل في من قرّبه، ورفعه، ومنحه مساحة أكبر من حجمه الطبيعي.


ورغم هذا الواقع القاتم، لا يمكن إنكار وجود فئة أخرى… فئة محترمة، واعية، تعرف قدر نفسها، وتملك من الكفاءة ما يؤهلها للقيادة. لكنها ضاعت وسط الضجيج، وغُيّبت وسط الصراخ، وأُقصيت لصالح من يجيدون التلميع لا العمل.


وهنا يبرز السؤال المؤلم:

هل سنبقى نشتكي من المشهد… أم سنغيّره؟


إن استعادة التوازن لا تبدأ بإقصاء أحد، بل بإعادة الاعتبار للقيم: للحياء، للعقل، للكفاءة، ولمن يعرفون قدر أنفسهم قبل أن يطلبوا قدر غيرهم.


فالجنوب – كغيره – لا يحتاج إلى مزيد من الطامحين، بل إلى من يستحقون الطموح.


ولا يحتاج إلى من يطلبون القيادة، بل إلى من تُطلب منهم...